صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

17 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

خيري شلبي

13 سبتمبر 2015



إعداد - رانيا هلال

تمر بنا هذه الأيام ذكرى رحيل الكاتب الكبير خيرى شلبى (3 يناير 1938 – 9 سبتمبر 2011)، ولد شلبى بقرية شباس عمير بمركز قلين بمحافظة كفر الشيخ، من أشهر رواياته: السنيورة، الأوباش، الشطار، الوتد، العراوى، فرعان من الصبار، موال البيات والنوم، ثلاثية الأمالى (أولنا ولد - وثانينا الكومى - وثالثنا الورق)، بغلة العرش، لحس العتب، منامات عم أحمد السماك، موت عباءة، بطن البقرة، صهاريج اللؤلؤ، نعناع الجناين، ومن مجموعاته القصصية: صاحب السعادة اللص، المنحنى الخطر، سارق الفرح، أسباب للكى بالنار، الدساس، أشياء تخصنا، قداس الشيخ رضوان، وغيرها.


يعد خيرى شلبى رائد الفانتازيا التاريخية فى الرواية العربية المعاصرة، وتعد روايته (رحلات الطرشجى الحلوجى) عملا فريدا فى بابها.
ترجمت معظم رواياته إلى الروسية والصينية والإنجليزية والفرنسية والأوردية والعبرية والإيطالية، وخصوصا رواياته: الأوباش، الوتد، فرعان من الصبار، بطن البقرة، وكالة عطية، صالح هيصة.
وقد كان من أوائل من كتبوا ما يسمى الآن بالواقعية السحرية، ففى أدبه الروائى تتشخص المادة وتتحول إلى كائنات حية تعيش وتخضع لتغيرات وتؤثر وتتأثر، وتتحدث الأطيار والأشجار والحيوانات والحشرات وكل ما يدب على الأرض، حيث يصل الواقع إلى مستوى الأسطورة، وتنزل الأسطورة إلى مستوى الواقع ..فى ذكراه نتنسم معا عبق سيرته العطرة مع أحبائه.
- ريم خيرى شلبى: رسالة من صديقك الغالى شوقى حجاب
تمر الأيام لكن ذكرياتنا معك لا تمر لكنها تبقى وتثمر كل يوم ذكريات جديدة، أريد اليوم فى ذكراك الرابعة أن أوصل لك رسالة من صديقك الغالى «شوقى حجاب»، فقد كنت أقود سيارتى فى طريق العودة للمنزل بعد يوم شاق ومحبط، وإذا بالهاتف يرن ولا أعرف لماذا قمت بالرد رغم أننى كنت محبطة ولا أرغب فى الحديث مع أحد، المهم أننى قمت بالرد ربما لأن المتصل صديقى عازف الإيقاع المبهج رغم آلامه «زين العابدين» أخبرنى أنه عند الشاعر الكبير «شوقى حجاب» هو وبعض الأصدقاء وبالصدفة أتت سيرتى وأنه يرغب فى الحديث معى، أتى صوته كالجليد على شعلة النار وكان أبى هو من يحدثنى، كدت أبكى من فرط الترحاب والحنان فى صوته، أعطانى أمرًا بالعودة من طريقى والتوجه إلى منزله فى وسط البلد، ولأننى كنت فعلا فى حاجة ماسة لهذا اللقاء لم أتردد كعادتى، أخذت أول ملف فى الطريق وذهبت إليه، ووجدتنى فى حضرة الأب والصديق والأخ وكل ما يمكن أن تصف به إنسان نبيل على هذه الأرض، أخبرنى أنه كان يرغب فى هذا اللقاء منذ سنوات ، وأذهلنى أيضا لقاء زوجته الجميلة الفنانة والإعلامية «نهلة ياسين» التى استقبلتنى استقبال الأحبة الذين طالت غيبتهم، وعلى الفور أخبرنى الفنان «شوقى حجاب» أن لى فى هذا المنزل إرثًا.. نعم هو قال ذلك وأن «خيرى شلبى» هو صاحب الفضل عليه فى أشياء كثيرة وأخبرنى بالآتى: لقد أتيت إلى القاهرة وأنا شاب محبط بعد أن استنفدت عدد مرات الرسوب فى الثانوية العامة وكنت أشعر بالضياع ولا أجيد شيئا إلا كتابة الشعر، وذهبت إلى أخى «سيد حجاب» وطلبت منه أن يبحث لى عن حل، وما كان منه إلا أن أرسلنى إلى صديقه الصحفى الشاب «خيرى شلبى» وأخبرنى أن أحكى له القصة، وبالفعل ذهبت إلى «خيرى شلبى» فى الفندق الذى كان مقيما به فى وسط البلد، حكيت له قصتى وأسمعته بعض أشعارى التى أعجبته جدا وعاملنى بود وحب وكرم وكأننى أحد إخوته أو أقاربه، وأعطانى كارتا لشخص يعمل بوزارة التربية والتعليم اسمه «البخارى» الذى قام بالفعل بالترحيب به وتقييده بمدرسة التوفيقية الثانوية بنين وأخذت بالفعل الثانوية العامة لكن بمجموع ضئيل جدا ولم أجد بدًا إلا أن أذهب مرة أخرى «لخيرى شلبى» الذى أصبح صديقى وأخبرنى أن أكاديمية الفنون تقبل هذا المجموع بشرط تجاوز بعض الاختبارات فأرسلنى مرة أخرى للأستاذ «البخارى» الذى قام باتصالاته وتجاوزت الاختبارات المطلوبة وتم تعليق النتيجة واسمى مكتوب فى قائمة الناجحين؛ ذهبت أول يوم فى الدراسة للأكاديمية وكلى أمل وفرحة وإذا بأمن معهد السينما يمنعنى من الدخول ويخبرنى أن اسمى غير مدرج فى قائمة الناجحين أصابنى الذهول وعلمت أن السبب فى ذلك هو موقف أخى سيد حجاب السياسى، رجعت لخيرى شلبى مكسور الخاطر والذى تحدث للأستاذ «البخارى» وطلب منه أن أذهب إليه الساعة التاسعة صباحا، وكنت قبل الموعد بدقائق أم باب مكتبه وكان لم يصل بعد، وأثناء وقوفى نزل رجل لا أعرفه فى ذلك الوقت من عربية فولكس صغيرة سألنى من أنت ولماذا أقف هنا، فأخبرته أننى انتظر الأستاذ «البخارى» فأخبرنى أنه يدعى «ثروت عكاشة» وأنه وزير الثقافة وأن «البخارى» مدير مكتبه وسألنى عن مشكلتى فأخبرته، وأنا أرتعش خجلا، فرجع إلى سيارته وطلب منى أن أتبعه ثم أمرنى أن أركب بجواره، وعندما لاحظ انكماشى خجلا طلب منى أن أفرد قامتى وأجلس فى راحة، ولا أعلم أين يصطحبنى، وإذا بالرجل يذهب بى إلى أكاديمية الفنون ويأمر رجل الأمن بدخولى ويثور على المسئولين ثورة عارمة ويطلب تصحيح الخطأ، وبالفعل تم قيدى بالمعهد وحصلت على البكالوريوس، ومن يومها لم تنقطع صلتى بخيرى شلبى الذى كان معجبًا بى وأصبحنا أصدقاء ولم يشعرنى لحظة واحدة أنه صاحب فضل على أكرمنى حق الكرم رغم أنه كان فى بداية حياته وحاله كحالى وربما أقل؛ لذلك أطلب منك أن تطلبى منى وتتمنى على وتعتبرى هذا المنزل ملك لك ولإخوتك وأن تعتبرينى وزوجتى ضيوفا لديكى»، ما أعظمك يا عم شوقى وأعظم أصلك ومعدنك الطيب ..ورحمة الله عليك يا أبى ومولاى وسيدى وعلى كرامتك المستمرة بسخاء ودون انقطاع ..وللذكريات بقية دائما أبدا.. ابنتك/ ريم خيرى شلبى.
- سليمان الحكيم: خيرى شلبى .. كما عرفته!!
فى مطلع سبعينيات القرن الماضى حين كنا طلابا بقسم الصحافة بكلية آداب القاهرة كانت مجلة الإذاعة والتليفزيون من أهم مصادر ثقافتنا لذا كنا حريصين أنا والمرحوم الشاعر حلمى سالم على اقتنائها اسبوعيا، فقد كانت اقرب إلى المجلات الأدبية والثقافية منها إلى مجلات المنوعات الأخرى مثل الكواكب أو المصور، ولماذا لا تكون كذلك وهى التى تضم كوكبة من الشعراء والكتاب والمثقفين مثل خيرى شلبى وفتحى سعيد ومهران السيد وعبدالقادر حميدة ومجدى نجيب ورجاء النقاش واحمد بهجت وسناء فتح الله وسامى السلمونى وفؤاد معوض (فرفور)، وغيرهم
ولأننا كنا متابعين بشغف لكل هؤلاء الأساطين، فقد كان يعن لنا أحيانا
أن نقابلهم لنناقشهم فى بعض ما كتبوه، فعقدنا العزم أنا وحلمى سالم ذات يوم على أن نذهب إلى مقر المجلة بشارع منصور القريب من وزارة الداخلية حاليا لمقابلة بعض من تصادف وجوده هناك من كتابنا المفضلين، وكان من حسن حظنا أن يكون خيرى شلبى هو أول من يستقبلنا، لم يكن قد ودع مرحلة الشباب بعد ولا اعتقد انه ودعها حتى بعد أن خلع كل أسنانه وغزا الشيب كل ما تبقى فى رأسه من شعر، فكان – وظل – كما كان دائما بروح الشاب، استقبلنا خيرى شلبى بترحاب وما إن عرف بأننا صحفيون وشبان حتى بدأ يحدثنا عن الصحافة وهمومها، وما ينتظرنا فيها من متاعب، وكانت نصيحته لنا أن نداوم على القراءة فى مختلف فروع المعرفة، ولم يكف عم خيرى عن الكلام معنا ولم يعطنا الفرصة لمشاركته، ورغم ذلك لم نشعر معه بالملل، بل كنا نحثه على الاستزادة بحرصنا على إبداء الشعور بالمتعة والراحه، لم يكن شعورنا هذا مشوبا بأى قدر من المجاملة لكونه كاتبا مشهورا، ونحن صغار المثقفين الذين كان عليهم أن يتقربوا إليه بإظهار شىء من المداهنة أو التملق سعيا لتعميق علاقة ناشئة.
لم يتركنا عم خيرى إلا بعد أن وعدناه بتكرار الزيارة وبالفعل أصبح لقاؤنا بخيرى شلبى شبه يومى خاصة بعد أن فتح لنا الباب واسعا لعلاقات أخرى مع بقية زملائه من كتاب المجلة حتى أصبح وجودنا اليومى بينهم شيئا  عاديا لدرجة أنهم كانوا يطلبون منا مشاركتهم فى أداء بعض الأعمال الصحفية التى يعتقدون أننا قادرون عليها، فكانت مجلة الإذاعة والتليفزيون هى أول صحيفة نرى فيها أسماءنا مكتوبة برصاص المطابع.
بمرور الوقت تطورت علاقتى – أنا شخصيا – بعم خيرى، وانتقلت من علاقة بين أستاذ وتلميذ إلى علاقة بين صديقين، كنت من أشد المعجبين به كاتبا وقاصا وحكاء فكان أفضل من كتب البورتريه بالقلم فى تاريخ الأدب الصحفى، فرسم صورة بالقلم لمشاهير الأدب والشعر والموسيقى كاشفا جوانب غامضة فى شخصية هؤلاء، وكأنك تتعرف عليهم لأول مرة رغم كثرة ما قرأته عنهم أو لهم، رحم الله عم خيرى الذى أجاد وأبدع فى الكتابة عن الآخرين لكنه كان خجولا فى الكتابة عن نفسه رغم أن حياته وفنه كانت جديرة برسم بورتريه بقلم أعظم الكتاب وأشهرهم.                  - سهى زكى: خيرى شلبى المُعلم
هو الرجل الذى يسيطر على الجميع بطيبته وخبرته وحنكته وقدرته على لم الشمل، هو خيرى شلبى هو الحكاء الفطرى الذى علمته الأيام تقنيات السرد، وعلمته التجربة قواعد للكتابة خاصة به، فهو يتمتع بتفاصيل مدهشة فى الكتابة، ورغم الإفراط فيها فإنها لا تخلو من دهشة أبدا، أن يصف لك الطريق إلى وكالة عطية والذى تسمع وأنت تقرأ «موال البيت والنوم» نغمة ربابة حزينة ويتجلى فى عينك فيلم تمت كتابة السيناريو له وإخراجه بل وترى الممثلين وأنت تقرأ «الأوباش» وتتعاطف مع المسكين «صالح هيصة» وتفسر معه كل رموز «منامات أحمد السباك».
عم خيرى كما كان يحلو للجميع أن يسموه وينادوه عندما كان موجودا بجسده المادى بيننا، له جاذبية فى الحديث وتشويق يجعلك تجلس أمامه مشدوها من جمال الحكى وأسلوبه الذى كاد ينقصه ربابة حقا، وكأنه شاعر ربابة محنك يحفظ سير كل الطرق الذى عبرها عن ظهر قلب، يحكى عن الغانيات وكأنهن الزاهدات العابدات، فتقع فى غرامهن من أسلوبه المحب فى الحكى عنهن، يحكى عن البلطجى وتاجر المخدرات وكأنه يحكى عن أخ طيب يزورك ويسأل عنك، لم يتبرأ يوما من كونه ابن بيئة شعبية طيبة، ولم يتفاخر بأنه أصبح الكاتب الكبير، فقط هى بوادر ثقة كبيرة فى النفس وتمكن من أدوات الكتابة ستلحظها بمجرد التركيز معه، عم خيرى شلبى الرجل الذى يجاهر بمحبته كما يجاهر برفضه، لم يخف من شىء ولا من أحد، الذى رآه على الشباب وعلى قوتهم وإرادتهم، من شجع أغلب شباب هذا الجيل بكلماته الرقيقة عن كتاباتهم وشجعهم وحفزهم على الاستمرار رغم ما كان يعرض عليه من تجارب تبدو مجنونة وغير معقولة ، إلا أن لعقله الشاب المتحرر قدرة على استيعاب كل ما هو جديد، وكأن لسان حاله يقول « كنت يوما شابا اعتقد نفسى مجددا دعهم يمرون بكل ما مررت به وسيعرفون فى النهاية أن التجديد ليس شرطه الجنون»، كان لشقاوة روحه الطفلة وقعا طاغيا على جلساته الطيبة بين محبيه، ومع ذلك لم يكون شلة ولم يترك أتباعًا، كان مؤمنا بشدة بأن الموت صديق ورفيق أصدق من كل حى، فكان يسجل كل حى يحبه فى البورتريه، ويصادقهم فى الكتابة، أما الواقع فكان صديقه الودود الطيب الذى سانده وألهمه هو الموت، منه شد كل أبطاله الأقوياء إلى رحلاته الروائية، ومنه رسم شخصياته القصصية التى لن تفارقك بمجرد الانتهاء من قراءتها، تظل معك تطاردك قليلا حتى تتخلص منها بقراءة جديدة .
وهو أستاذ فن كتابة البورتريه، رغم أنه فن لا يعد من القوالب الفنية والأدبية المعترف بها حتى هذه اللحظة، وخاصة ذلك البورتريه الذى كان يكتبه عم خيرى، حيث كان يفسر قسمات وجه من يتحدث عنه بشكل فنى وأدبى رائع لا يشبهه أحد، كأنه أحد محللى الطب النفسى وخبراء تشريح الوجوه، يحكى ويحكى عن تلك الوجوه الذى يحبها، يتحدث عن الناس بفلسفة الجسد وإنسانية وكأنه يكتب سيرة غيرية عن البشر الذين أحبهم سواء من عاصرهم أو من لم يعاصرهم.
- محمد سامى البوهى: شيخ القرية الجميل وكتاب أحبه
 ظل طوال حياته يكتب عن آلام وأوجاع المهمشين والبسطاء معتبرا نفسه بوقا يعلن عن وجودهم بقوة لكنه آثر لنفسه الرحيل فى صمت، ودع صديق عمره الروائى الذى لم يتحمل فراقه فلحق به إبراهيم أصلان هاتفيًا دون أن يخبره بأنه راحل عن تلك الدنيا بعد ساعات معدودة ثم طلب من السيدة زوجته كوب اللبن المفضل ليتأهب لكتابة مقاله بالأهرام ولم ينتظر حتى غاب هناك فى عالمه الآخر.. الآن يرقد جسده فى أمان ملتحفا بسطور (الوتد) فى قريته (شماس عمير) التى أخذنا إليها فى رحلة ممتعة لنسكن بيت الحاجة «فاطمة تعلبة» وأسرتها الريفية البسيطة فبهرنا بتلك التفاصيل الدقيقة التى يرصدها بمهارة غير عادية من زوايا ضيقة جدا لم يسبقه إليها أحد.. فتعمق فى إخراج داخليات الشخصية المصرية وبرع فى رسم الصور الزمانية والمكانية بشكل لافت وجذاب يجعل القارئ يعيش حالة التساؤل الدائم.. كيف يلم عم خيرى بهذا الكم الهائل من الشخصيات والعادات واللهجات والأصوات والأماكن والأزمنة؟ وكيف استطاع أن يصل إلى قعر العوالم المهملة بهذا القدر من الانسيابية والسلاسة والتوغل حتى أنك فى بعض الأحيان تنسى أنك تقرأ كتابا مصنوعا من ورق؟ فكان من أبرز الكتاب الذين استخدموا أسلوب «الواقعية الساحرة» فى كتاباته، حيث مزج الواقع بالخيال والأساطير دون الانحراف عن العقلانية المقنعة، وقام بتطويع كل الإمكانات المطروحة من بشر وجماد وحيوان ومادة كشخصيات حية ذات تأثير داخل سياق كتاباته، ولقد ألف عم خيرى أكثر من سبعين كتابا، من أشهرها الوتد، وثلاثية الأمالى ووكالة عطية، والاوباش والشطار والعراوى وسارق الفرح، وصالح هيصا، وصهاريج اللؤلؤ، وصحراء المماليك، وزهرة الخشخاش، ونسف الأدمغة وغيرها، ومنها ما تحول لاحقا إلى أعمال تليفزيونية.
ومن بين أشهر مؤلفات شلبى فى مجال البحث الأدبى كتابه «محاكمة طه حسين» عام 1969هذا الكتاب الذى اعترف فى مقدمة الطبعة الثانية له بأنه أحب الكتب إلى نفسه لذلك فضلت أن أقف عنده لأقدم له عرضا سريعا تخليدا لذكراه.. فقد كتب مستهلا المقدمة بقوله: «لا أظن أننى أحببت كتابا من كتبى قدر حبى لهذا الكتاب الحميم» وقد أرجع ذلك لشهرة هذا الكتاب التى بلغت الآفاق فيشعر معه بفرحة عارمة كلما وقعت فى يده مجلة أو جريدة عربية أو أجنبية ويقرأ مقالا يتوسطه غلافه.. ثم بعد ذلك يستطرد فى سرد قصص على هامش سيرته الذاتية كما اعتدنا منه أن يكتبها بشكل غير مباشر ينهل منها ولا يضعها فى إطار مستقل فالمتأمل لكتابات عم خيرى يجد أنه ينثر من مدخرات سيرته الذاتية على كل ما يكتب وأرجح أن يكون هذا هو السبب الرئيسى لرفضه كتابة سيرته كى لا يخنقها فى حد معين، وبالعودة لمقدمة الكتاب نجده يربط هوايته المفضلة فى جمع واقتناء الكتب القديمة وبين قصة تحقيقه لهذا الكتاب.
وفى المقدمة تلخيص لما جمعه من تلك الكنوز من دمنهور إلى الإسكندرية إلى القاهرة التى يقيم فيها الشيخ على خربوش بدرب الجماميز الذى عثر فى مكتبته على مسرحية شعرية خالصة تحمل ع نوان (يوسف الصديق) من تأليف القس إبراهيم باز الحداد والتى كتب تحت عنوانها أنها مثلت فى أواخر القرن الماضى وهذا دليل قاطع بأن مسرحية (على بك الكبير) لأحمد شوقى لم تكن هى أول مسرحية شعرية فى تاريخ المسرح المصرى بل سبقتها تجارب أنضج منها بكثير، ومن خلال بحثه فى تلك المكتبات القديمة وجد أن أكثر من مائتى مسرحية مطبوعة قد تم تمثيلها على خشبة المسرح فى أوائل وأواسط القرن الماضى ولم تتناولها الكتب التى أرخت للمسرح المصرى وبحث فى روائع وذخائر بعض الفرق المسرحية فلم يجد لأى منها ذكر رغم ما لها من قيمة فنية وتاريخية عظيمة، وقد استجاب لإغراء أحد أساتذة الجامعة وباع له كما هائلا من تلك النصوص بثمن بخس على أن يسلط عليها الضوء بالدراسة المتخصصة وعزاؤه الوحيد أنه كان ما يزال محتفظا ببعض تلك النصوص المهمة ولما طال انتظاره لتلك الدراسة ولم يفصل فيها، أقبل على دراسة ما عنده بشغف عظيم وتقدم به لإذاعة البرنامج الثانى بأول مسرحية وقعت فى يده حيث كان الأديب بهاء طاهر مشرفا على البرنامج، وقد كان البرنامج على هيئة مجلة مسموعة فأعجبه الحديث جدا فاتفق معه على برنامج بعنوان (مسرحيات ساقطة القيد) وقد شجعه على ذلك صديقه إدوارد الخراط ثم ألقته هوايته لاكتشاف مسرحية للزعيم مصطفى كامل بعنوان (فتح الأندلس) وقد تناولها بالتحقيق ثم نشرها مع مقدمة كتاب فى سلسلة مسرحيات عربية التى تصدر عن هيئة الكتاب.
- حسام الدين فاروق: خيرى شلبى صاحب القراءات المجمعة
لم أكن استسيغ فكرة الأدب الريفي، فكان بالنسبة عندى منذ وعيت على الفن والأدب هو الصورة التى تصدرها بعض الأفلام الأبيض والأسود القديمة التى كنت أتابعاها فى التليفزيون المصرى والشكل التقليدى للحدوتة السينمائية، فكان الأدب الريفى بالنسبة لى (حدوتة مملة) هذا طبعا باستثناء عدد من الأعمال الرائعة مثل الأرض والحرام وشىء من الخوف.
ذات صباح، وقع  بيدى كنز فى مكتبة الهيئة العامة للكتاب، مجموعات كاملة للعم خير شلبى، التهمتها التهامها، وغيرت وجهة نظرى تماما فى هذا النوع من الأدب، وتوالت متابعتى لأعماله الساحرة التى اعتبرها الواقعية السحرية العربية، وصناعة لأساطيرنا المحلية، وإعادة تفكيك المجتمع الريفى ولفت الانتباه لأمور لم نكن ندركها نحن سكان العاصمة القاهريين حتى النخاع، فعلى سبيل المثال فى روايته الوتد، لم أكن أتخيل أن للمرأة الصعيدية مثل هذه السطوة والدور الهام.
تجبرك نصوص خيرى شلبى على قراءتها مجمعة، فضولك يدفعك لتنهى فقرة وراء فقرة، فصل وراء فصل، وقد روى لى الروائى الجميل فتحى سليمان عن واقعة تخص خيرى شلبى، حينما أوصله فتحى لمنزله ذات مرة، فدعاه لتناول القهوة، وكانت إحدى الحجرات تطل على حديقة بها شجرة كبيرة وارفة، فشاهد فتحى مشهدا غريبا، كانت الشجرة مليئة بالكتب، فسأله فتحى عن هذه الكتب، فرد شلبى إنها الكتب يتم إهداؤها له، يقرأ فيها 10 صفحات، فإن لم يجبره الكاتب على مواصلة القراءة، يضطر بعدها لإسكانه بين أغصان تلك الشجرة.. رحم الله عمنا خيرى شلبى.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

السيسى يتسلم رسالة من نظيره الغينى.. ويؤكد: التعاون مع إفريقيا أولوية متقدمة فى السياسة المصرية
«السياحيون «على صفيح ساخن
واحة الإبداع.. «عُصفورتى الثكلى»
قرض من جهة أجنبية يشعل الفتنة بنقابة المحامين
إحنا الأغلى
كاريكاتير
كوميديا الواقع الافتراضى!

Facebook twitter rss