صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

19 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

«ناصية الجنوبى» محمود المغربى .. يغرد خارج سرب الحياة

7 سبتمبر 2015



أعدته للنشر- رانيا هلال
«هنا كل شيء يربت عليّ بمحبة وحنو رغم القسوة التى يعرفها العالم عن الصعيد.. نعم هناك مدن تسحرنى ولكن لا مدينة تحتوينى سوى قنا» هكذا كانت كلمات ابن مدينة قنا وابن الصعيد الشاعر الغنائى محمود المغربى «ناصية الجنوبى» الذى رحل عن عالمنا اثر نزيف مفاجئ بالمخ داهمه صباح الخميس الماضى فى مكتبه بمحافظة قنا.

 الشاعر الكبير من مواليد محافظة قنا 1962، بدأ كتابة الشعر من صغره، وبدأ يكتب شعر الفصحى فى أواخر السبعينيات، وكان أول لقاء له بالجمهور من خلال حفل تنصيب اتحاد طلاب كلية الآداب بقنا فى عام 1981 فى حضـور محافظ قنا والقيادات التنفيذية وشعراء قنا الكبار، اتجه «شاعر الجنوب» بعد ذلك للمشاركة فى العديد من المؤتمرات والنـدوات الأدبية وصدر له عـدد كبير من دواويــن الشعر منها أغـنية «الولد الفوضوى»، «العتمة تنسحب رويـــدًا»، «تأملات طائر»، «ناصية الأنثى»، «صدفة بغمازتين»، «تجليات المغربى» ومجموعة شعرية بالعربية والفرنسية، وحصل مغربى، على عدد من الجوائز كما تم تكريمه فى عدد كبير من المحافل الأدبية المحلية والدولية.
يقول المغربى فى إحدى تجلياته عن الصعيد «ظل الصعيد هو عشقى وأنا مفردة من مفرداته؛ نبت فى أرضه السمراء وعشت وأعيش فيها؛ تحديدا (محافظة قنا)، وكثيرون يعلمون ما لقنا من خصوصية جغرافية وتاريخية وسكانية عن غيرها فى كل مصر، لذا لم يكن غريبا أن تخرج بيئة الصعيد أعلاما مضيئة فى حياتنا الأدبية والفكرية والثقافية والأسماء عديدة ملء السمع والبصر قديما وحديثا، ورغم كل المغريات هنا وهناك تظل قنا بيتى الأثير، فما أروع أن تتجول فى شوارع تعرفك وتحنو عليك قبل أن تعرفها، فهنا أشتبك فى عناق حميم مع وجوه الناس، خصوصا البسطاء، تتفاعل مع كل شيء حولك، فى المقهى أرصد كل شىء وأتأمل كل شىء حولى».
■ أحمد سراج: عاش بجسده فى الصعيد وبنصه فى كل مكان
 مساء الخميس الرابع من سبتمبر 2015م،  فقدنا أحد الشعراء الذين يمثلون علامة جمالية وإنسانية.. فقدنا فجأة محمود مغربى الشاب ذا الشعر الأبيض والبسمة الناصعة.. يا أهل مصر، فقدنا شاعرًا أخفى الجمر بابتسامته.. عاش بجسده فى الصعيد وبنصه فى كل مكان.. وتوفى جسده بسكتة دماغية مفاجئة.. ليرحل عاشق الحياة مخلفًا أحبابه يرددون قول المتنبى حين ورده خبر موت حبيبته:
طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَنى خَبَرٌ
                  فَزِعْتُ فيهِ بآمالى إلى الكَذِبِ
حتى إذا لم يَدَعْ لى صِدْقُهُ أمَلاً
             شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي
تَعَثّرَتْ بهِ فى الأفْوَاهِ ألْسُنُهَا
         وَالبُرْدُ فى الطُّرْقِ وَالأقلامُ فى الكتبِ
ولد مغربى محافظة قنا فى فبراير 1962، وصدر له عـدد كبير من دواويــن الشعر منها «أغـنية «الولد الفوضوي»، «العتمة تنسحب رويـدًا»، «تأملات طائر»، «ناصية الأنثى»، «صدفة بغمازتين»، «تجليات مغربي». وهو عضو فاعل فى المحيط الثقافى رغم اختياره عدم مغادرة محافظته والاستقرار فى العاصمة، وهو اتجاه اختاره عدد من  كتاب مصر مثل محسن يونس وسمير الفيل وعبدالستار سليم وفتحى عبدالسميع وأشرف البولاقى وعبدالناصر علام والسيد الخميسى وقاسم مسعد عليوة.
(فقدنا أحد الشعراء الذين يمثلون علامة جمالية وإنسانية.. فقدنا محمود مغربى الشاعر...) أرجو من المسئولين الثقافيين والنقاد والأدباء أن يكملوا العبارة التى بين القوسين.. أطمع أن يتحرك وزير الثقافة وأن يسارع أبوالفضل بدران وأن يتكاتف سليم والأسيوطى والقباحى والحجاجى والبولاقي.. يا كتاب مصر، إن لم تكونوا لشاعر حقيقي.. فما قيمتنا؟.
■  الضوى محمد الضوى: شق لنفسه ولنصه طريقًا خاليًا من أى صراع
ليس أكثر إيلامًا لنا من أن ننعى أحد أهم أصدقائنا فى الحركة الأدبية والثقافية، إنه الأستاذ محمود مغربي، لقد كان إنسانًا نبيلا، لم نعتده مشاكسًا لأحد، أو مُعَارِكًا أحدًا على شيء كما يحدث بالأوساط الثقافية عادةً، كان يشق لنفسه ولنصه طريقًا خاليًا من أى صراع، فقط يوثق جولاته الثقافية، ومشاركاته النشطة، داخل مصر وخارجها، بمزيد من الصور الفوتوغرافية التى تحمل من السعادة ومحبة الحياة أكثر مما تحمل من غيرهما، كان بالغ الطيبة، شديد الحرص على التواصل معنا ومع أصدقائه فى كل مكان، اختلفنا حول جودة نصّه تماما كما نختلف حول جودة نصوصنا، لكن لم نختلف على كونه شاعرًا جميلا، وإنسانًا أشدّ جمالا ورقةً ونبلا، عرفته عن طريق الجرائد أثناء دراستى بالمرحلة الإعدادية، عن طريق قصديته الجميلة (أبي)، والتى وجدتُها منشورةً بجريدة الجمهورية وقتها، وقد حفظتها، وحدثته بشأنها لاحقًا، ففرح لهذا، وقد توثّقت معرفتنا بلقاء جمعنا عام 2007 فى المنيا، بمؤتمر إقليم جنوب ووسط الصعيد، رأسه كان مشتعلا بالبياض كما لو كان يحمل على رأسه هالة قديس، لم تكن العين تخطئ طلّته وما تخفيه من دماثة وود، أرجو من الله أن يرحمه، وأن يرزق أهله وأحبته الصبر والسلوان.
كنتُ فى الصف الأول أو الثانى الإعدادي، كان أبى حريصًا على شراء العدد الأسبوعى من جريدة الجمهورية، حيث صفحة أدباء الأقاليم، التى يديرها الأخ الصديق يسرى السيد، حيث ينشر فيها نصوصًا شعرية جميلة، إذ كان أبى يعرف أنّى أحب الشعر وأكتبه، وفى الوقت الذى كنّا وقتها ننزعج لما لا نفهم من الشعر فى هذه السن الصغيرة، بسبب الصور الشعرية الملتفة الغائمة، أو اللغة المعجمية العسيرة، كنتُ أجد فى كثيرٍ مما تنشره هذه الصفحة ضالتي، تعرفت من خلالها على كثير من أساتذتنا بأقاليم مصر المختلفة، من بين تلك النصوص وقعتُ على قصيدة عنوانها (أبي) شعرتُ كأن الشاعر كان يخاطبني، إذ إنَّ من بين جمل القصيدة جملة ينادى فيها الشاعر: (يا صغيرى)، قصصتُ تلك القصيدة من الجريدة، واحتفظت بها، حفظتها عن ظهر قلب، وألقيتها على مسامع الناس فى إحدى مسابقات الإلقاء لاحقًا، كانت ومازالت مرتبطةً عندى ببكارة هذه السن، وعفويتها، ومحبتها للعالم، مضى الوقت ونسيتها، وفى إحدى الأمسيات بعدها بعشر سنوات، سمعتُ «مغربي» يرحمه الله، ينشدها فى أحد المحافل، فخلوتُ إليه بعد أن نزل من على المنصة، وسألته: أهذه قصيدتك يا عم محمود؟ فأجابنى نعم، فحكيتُ له كم أحبها، وكم كانت قريبةً منّى حانيةً عليّ، فتهلل وجهه وشكرني، الآن أنعيك بقراءة قصيدتك(أبي) يا عم مغربي، أنعيك يا أبي.
■ ابتهال الشايب: متواضع ومتسامح فى وقت عجز الكثيرين أن يكونوا فى مثل أخلاقه
اذكر هذا الودود النقي. كنت  تلميذة فى نادى أدب الأقصر ، أتعلم كيف اكتب . أطل برأسى داخل المؤتمرات الأدبية التى كانوا ينظمونها لكى أرى أدباء جدد من أماكن مختلفة وكانت هذه المرة الأولى التى أقابله فيها، كان بشوشاً، والابتسامة لا تفارقه، شعره الأبيض كأنه هالة من نور تحيط بوجهه، عرفنى عليه احد أساتذتى ، كان لطيفا للغاية وفى المؤتمر الآخر وجدته يمد يده لكى يسلم عليّ فتعجبت انه مازال يتذكرنى وانه يحفظ اسمى جيدا، نظرت إليه فى ذهول، أنا التى مازلت تلميذة يتذكر اسمى أديب فى حجم محمود مغربي، عرفت فيما بعد أنها عادة أدباء قنا يهتمون كثيرا بالمواهب الشابة ولا يتكبرون على أحد، وتوالت المؤتمرات ووجدته فى كل مرة ينادينى باسم (بنت الشايب) كان يحب ذلك كثيرًا، وكنت اضحك حين يقولها وفى كل مرة ألاحظ مدى رقيه فى تعامله مع المرأة وكأنه رجل من نبلاء العصور القديمة فى فرنسا، وفى إحدى المرات عاتبنى لأنى لم اسأل عنه وهذا بسبب انكفائى على الكتابة، كنت أحمل من التقصير ما يجعلنى حزينة الآن، لم يخترق سمعى يوما أنه بث استفزاز ما فى وجه أديب، أو أثقل قلبه بمشاحنة أو ضغينة تجاه أحد، هكذا هو دوما مهذب، طيب، متواضع ومتسامح فى وقت عجز الكثيرين أن يكونوا فى مثل أخلاقه.
■  عبد الرحيم طايع: محمود مغربي.. صورة المعنى الكامل لحيوية الشاعر!
بعض الموت يكشف عن كثير من التقصير فى حق الحياة؛ كان موت الشاعر المعروف «محمود مغربي» كاشفا تماما عن تخاذل الجماعة الأدبية المصرية، لا سيما فى قنا، عن إظهار اعتزازهم الكبير به وتقديرهم الشديد له وهو بين ظهرانيهم!
لا مجال هنا للحديث النقدى الدقيق عن شعر «مغربي» وأطاريحه الفنية المختلفة فى المجلات والصحف؛ لكن تعنينى حركته الإنسانية المنطلقة من ذات الصفة: كونه شاعرا وكاتبا ومشغولا بالحركة الثقافية فى مصر ومهموما بها إلى أقصى درجة.
فى الحقيقة كنت واحدا من الذين يرون وجوده ضرورة بكل مكان يحوى قصر ثقافة أو بيتا للثقافة أو مؤسسة ثقافية خاصة فى المدن والقرى والنجوع أو حتى لا يحوى مثل تلك المباني؛ فهذا «الولد الفوضوي»، وهو اللقب الذى اشتهر به الشاعر العزيز الراحل والذى كان عنوانا لأحد عطاءاته «أغنية الولد الفوضوي»، هذا الولد كان سخر طاقته كلها باتجاه إشعار العالم بقيمة الفنون والآداب؛ حتى عرفه الناس بالفنان وبالشاعر فوق ما عرفوا غيره ممن قد يكونون أكثر تحققا وأعمق جذورا!
لا أمسية تخلو من «مغربي» ولا عصافير تغرد فى الأصابيح الشعرية وصوته ليس بينها، ولا ندوة ولا مؤتمر إلا هو متصدر مشهدهما ولا جلسة متخصصة على مقهى إلا وكرسيه وشيشته فيها، ولا شارع إلا وناسه يعرفون «المغربى الشاعر ذا الشعر الأبيض والسمرة الفاحمة»، ولا محافظة فى الوطن إلا ويسألك مثقفوها عن «محمود» وصحته وأنبائه!
لم يكن صاحبنا الراحل يتعمد ذلك لحصد شهرة مضاعفة، وهو القديم فى الوسط والراسخة أقدامه فيه، لكنها المحبة للحكاية والإخلاص للمشهد الذى يبدو أنه وجد نفسه فيه أضعاف ما وجده بعمله أو بيته أو علاقاته.. بل لا تفسير آخر لولعه الشديد بالمسألة، من كل جوانبها، وحرصه البالغ على التواصل مع الجميع وتقديم أسماء جديدة للساحة الأدبية فى قنا والطمأنينة المستمرة على ترتيبات والأمور المتعلقة بانتخابات أو تكريمات أو مهرجانات.. لا تفسير آخر حقا.. ولم يكن يوازى ذلك سوى بقائه طويلا أمام شاشة الكمبيوتر، على مواقع التواصل الاجتماعي، متفاعلا وناشرا شعره وأخبارا عن حركته الشخصية وتحركات الآخرين، بمودة صافية واحترام عظيم، مما كان يوقع الناس، حتى العاديين منهم، فى غرام «ناصية الجنوبي» وما تضمه مادته، ويشعرهم بأهمية الحرف واللوحة والموسيقى فى مسيرة حيواتهم.. ولا أنسى هنا أن صديقنا الراحل كان بالأساس جم الأدب هادئ الطبع؛ غلب تسامحه غضبه وطغى نقاؤه على ما قد تثيره أنفس الناس فى الناس من البغض والحسد والحقد والعداوات!
.. على المستوى الشخصي، ومحمود كان يكبرنى بست سنوات وينتمى إلى الجيل الأدبى الذى سبق جيلى بمدينة قنا- قلب جنوب صعيد مصر، لا يفوتنى أنه من أوائل الذين سمعونى وتحمسوا لى وقدمونى بثقة للوسط، ثم توالت السنون فإذا هو ينوه بلسانه عني، مجبور الخاطر بهيجا فخورا، بألقاب كالشاعر الكبير والمثقف النابه والمبدع المتميز وكذا؛ مما يسر الروح ويشى بالمنازل الكبرى والرتب الرفيعة!
نعم كان وجود «المغربي» ضروريا للغاية، ولو أننا ضمنا وجود مثله بكل إقليم؛ لاطمأنت أنفسنا على الطاقات البشرية الموهوبة، فوجوده كاف لإشعارها بالأمان، وحركته، وحدها، تغنى عن حركة جيل كامل كثير العدد غزير المعرفة راغب فى الدعم والمساعدة!
عاش ومات تعرفه قصور الثقافة كلها وبيوتها كلها وقاعات الندوات والمؤتمرات ومناضد مقاهى المثقفين الخشبية والمعدنية، وأدخنة الشيش، وحقائب الشعراء المحمولة على الأكتاف، وأرفف المكتبات، وبائعو الجرائد، وأظنه كان الدال على الكارنيهات الكثيرة التى كانت معه وليس العكس، ولم يكن يغيب اسمه ولا تغيب صفته ولا هيئته عن كائن من كان بطول الوطن وعرضه حتى من غير المعنين (خصوصا فى حدود منطقته قنا)؛ من فرط ما شارك وجادل واقترح وجامل وهاتف وقرأ شعره وقال رأيه وحاور وفض مشكلات وحل قضايا وصالح بين متخاصمين..!
بعضنا كان يعيب عليه الإفراط فى الظهور، والتصدى للشؤون كلها بشكل قد يعطل تدخل قوى أخرى قد يكون فى تدخلها النفع والصلاح؛ لكن، بحسبة صغيرة أمينة، لم يكن الرجل يكسب قدر ما كانت الحركة الأدبية فى قنا جميعها تكسب، ولم يكن يتعمد إزاحة آخرين من تدخلاتهم فى أزمة ما، إلا وهو يعلم، علما يقينيا يعود تقديره إلى خبراته، أن «المركب توشك أن تغرق بكثرة قوادها».. وعموما كان، فى كل الأحوال، يتجشم وحده التكلفة والعناء (غير رافض للتعاون على الحقيقة) وكان يصادف أن يصيبه من ذلك خير أو تتحقق مصلحة تشحن النفوس ضده، بيد أنها حصائد التدخل الفردى فى تشابكات الأمور وتعقيداتها، بعيدا عن قصديات التربح الشخصى المسيئ، أو هكذا أراها الآن واضحة وضوح شمس السماء فى صيف الجنوب المصرى الصعب!
.. «زرنا الحبايب فى جبانة قنا ومحمود/ فايح يا ريح البخور من غير ما نشعل عود/ والفاتحة واصلة من الجيزة لمقام حتحور/ ده القبر محفور ولكن شعرنا مولود».







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

البنت المنياوية والسحجة والتحطيب لتنشيط السياحة بالمنيا
الزوجة: «عملّى البحر طحينة وطلع نصاب ومتجوز مرتين.. قبل العرس سرق العفش وهرب»
تعديلات جديدة بقانون الثروة المعدنية لجذب الاستثمارات الأجنبية
حتى جرائم الإرهاب لن تقوى عليها
حكم متقاعد يقوم بتعيين الحكام بالوديات!
الجيش والشرطة يهنئان الرئيس بذكرى المولد النبوى
50 مدربًا سقطوا من «أتوبيس الدورى»!

Facebook twitter rss