صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

20 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

نجيب محفوظ.. «عصر الرواية» فى القرن العشرين

31 اغسطس 2015



أعدتها للنشر - سوزى شكرى


تمر هذه الأيام الذكرى التاسعة لوفاة الأديب العالمى نجيب محفوظ تاركا ورائه تراثا ضخما أدبا وفكرا وثقافة، ذلك التراث الثقافى المتراكم على مر الأيام والسنين مختلطا بعبق الأمكنة والحوارى والأزقة، والتى فطن لها حرافيشه ومحبوه ومريدوه موصين بإنشاء متحف لأعماله وهذا الأمر الذى قابلته وزارة الثقافة حينها بالموافقة لكنه ظل حتى الآن حبرا على ورق.
«محفوظ» بما له من رصيد وثقل فى الحياة الثقافية المصرية كان درة كتابات كثيرة على أن أهمها وآخرها كتابى «نجيب محفوظ إن حكى.. ثرثرة محفوظية» للكاتب الكبير يوسف القعيد  وكتاب «عوالم نجيب محفوظ» للناقد الكبير صلاح فضل.. اخترنا فى ذكراه أن ننقل بعضا من مقاطع الكتابين لتذكير القراء بصاحب نوبل. الكاتب يوسف القعيد يروى لنا عن غياب محفوظ: رحل عنا نجيب محفوظ قبل تسع سنوات مضت، فى يوم لا يزال حيا فى حبة القلب كأنه جرى بالأمس الغياب غياب جسدي، بمعنى أننا لا نقابله ولا نجلس معه ولا نستمع لكلامه ولا نشعر بضحكته المجلجلة الصادرة من قلبه، لكن ما تركه الرجل من نتاج أدبى غزير ومتنوع ونادر، أيضا ما بقى لنا من مواقفه وثقافته ورأيه فيما يجرى فى الحياة لا يزال معنا، تسع سنوات هذا العام، أو عشر سنوات العام المقبل، فترة ليست قصيرة، وإن كنا لا نزال نتذكر نجيب محفوظ بالسلب، بلوعة الغياب، فإن مصر - حتى الآن - لم تحاول أن تجعل ذكرى نجيب محفوظ إيجابية، أى أن تفى له بحقه عليها وأن تنفذ ما جرى الإعلان عنه بعد رحيله. وعن متحف نجيب محفوظ أشار «القعيد»: بعد رحيله فى 30 أغسطس 2006 عندما كان الفنان فاروق حسنى وزيرا للثقافة شكَّل لجنة لتخليد ذكرى نجيب محفوظ كنت أحد أعضائها، وعقدنا الاجتماعات، وطرحنا التصورات والرؤى. واستقرت الآراء على أن أهم ما يمكن أن نقدمه لنجيب محفوظ إنشاء متحف له توضع فيه مقتنياته ويصبح مع مرور الوقت مدرسة للسرد العربي.
القصة طويلة، وتفاصيلها محزنة، تبدأ من «شدة الغربال» وهذا تعبير شعبى يسخر من الاهتمام الزائد عن الحد فى البداية الذى يعقبه تراخٍ ثم إهمال وأخيرا نسيان، فى المراحل الأولى قمنا بمعاينة أكثر من مكان لكى يكون مقرا لمتحف نجيب محفوظ. راعينا البحث عن أماكن مناسبة فى حى الجمالية، حيث ولد نجيب محفوظ وعاش، وحيث لا تزال توجد الأماكن التى كتب عنها بأسمائها فى رواياته.
لم يكن المتحف المشروع الوحيد. قدَّم الصديق جمال الغيطانى لمحافظة القاهرة مشروعا متكاملا حول المزارات المحفوظية، والفكرة قائمة على تحديد الأماكن التى كتب عنها نجيب محفوظ أعماله الأدبية. وظهرت فى رواياته بأسمائها فى أرض الواقع، مثل: خان الخليلي، زقاق المدق، قهوة قشتمر، وبنسيون ميرامار بالإسكندرية، على أن تكون هناك إشارات فى الشوارع على شكل أسهم تقول لك إنه على بعد أمتار يوجد الأثر الفلانى لنجيب محفوظ.
وما جرى مع المتحف جرى مع المزارات المحفوظية. لا المتحف أصبح متحفا، ولا المزارات المحفوظية نراها الآن كمزارات، نعرضها للسياح الذين لا يحضرون إلى مصر فى الفترة الأخيرة، ولم يبق لنا نحن سوى أن نتذكر هذه المشروعات ونتحسر على مصائرها فى ذكرى رحيله مرة، وفى ذكرى ميلاده مرة أخرى دون أن نستمع لإجابة من أية جهة، لا من وزارة الثقافة، ولا من محافظة القاهرة. فهل تأتى الذكرى العاشرة لرحيله بعد عام لتجد أيا من المشروعات أو أحدها قد خرج للوجود وأصبح حقيقة مؤكدة؟ أتمنى وأحلم بذلك.
يقول القعيد فى مقدمة كتابه «نجيب محفوظ إن حكى.. ثرثرة محفوظية»: «ربما كان الرجل من أبسط المصادر التى تعاملت معها، لا يعطيك موعدا فى بيته أبدا ولا فى مكان عمله، لكنه يفضل الأماكن العامة المقاهى والكازينوهات المتمركزة أساسا فى منطقة وسط البلد، لم يحدث أن استفسر منى عن الأسئلة وعن أى الأمور تدور، ربما فكر قبل الإجابة عن سؤاله، وعند الإجابة يبدو بطيئا فى النطق كأنه يتذوق الكلمات قبل أن ينطق بها، ولم يحدث أن اعترض على سؤال ولم يطلب أبدا قراءة الموضوع بعد كتابته على شكل أسئلة وإجابات ، ولم أسمع منه تعليقات على حوارٍ أجريته معه رغم كثرة هذه الحوارات». فمنذ منتصف التسعينيات من القرن الماضى حتى رحيل محفوظ فى 2006 ارتبط الروائى يوسف القعيد بمؤسس الرواية العربية نجيب محفوظ، وخلال هذه السنوات أجرى المؤلف حوارات مع شيخه حول كل ما كان يطرح فى جلساتهما التى شهدها عدد كبير من أدباء العصر، كان نجيب محفوظ كعادته صريحا محددا فى ردوده على الأسئلة التى لم تترك المشهدين الخاص والعام.
فى الكتاب الجديد للناقد الكبير صلاح فضل «عوالم نجيب محفوظ» الصادر حديثا عن الدار المصرية اللبنانية فى إطار الاحتفال بالعام المئوى لميلاد عبقرى الرواية المصرية نجيب محفوظ يقول «فضل»: «عصر الرواية فى القرن العشرين هو عصر نجيب محفوظ، وقد أسس بعبقرية النمل الدءوب ديوان الرواية العربية، وانتزع شرعيتها من يد الجيل السابق عليه بإنتاجه المتواصل ومشروعاته المتراكبة».
فى تقديمه لكتابه يصنفه على أنه مقاربات يجمعها من شتات كتاباته السابقة عنه، ويقدم فيه مجموعة من القراءات التى تناثرت زمنيا على مدى ثلاثة عقود، وكانت استجابة لأمرين متوازيين هما تطور إنتاج محفوظ من ناحية، وتنوع مداخله المنهجية لقراءته فى مراحل عمره النقدى من ناحية أخرى، مما يضعها شاهدا على هذه العلاقة الحساسة بين النقد والابداع، ولحظة التماس المتوهجة بين الطرفين.
وقد أشار إلى المبادئ الرئيسية الأربعة التى رسم على أساسها محفوظ ملامح رؤيته فى ملحمة «الحرافيش»، وعن الكيفية التى انتزع بها شرعية الرواية العربية من يد الجيل السابق عليه، بإنتاجه المتواصل ومشروعاته المتراكبة، فضلا عن كتابة عشرات الروايات التى يعتمد فيها على كنوز التاريخ الفرعوني، والدلائل على إدراكه ببصيرة نفاذة لمكمن السحر فى بلاغة الحياة النثرية فى سياق الوجود المفعم بالعواطف والمرتبط بقلوب الناس وأهوائهم.
يقول «فضل»: «ابتكر محفوظ الأسلوب الشفاف الذى لا تشعر بكيانه اللغوى ولا تصدم بجسده المجازي، فهو يذيب طيات الدهن البلاغى المتراكم فى أعطاف التعبير، ليصب نموذجا زجاجيا صافيا يشف بشكل مباشر عن الشخصيات والمواقف والنبرات والأصوات، دون أية شائبة تشعرك بجسمها الحامل لهذه السوائل الملونة، فيعيد تشكيل العبارات العامية بترتيب نحوى بسيط يدخلها منظومة اللغة العربية الموحدة، القادرة على التوصيل بكفاءة عالية وإنكار واضح للذات». يرى فضل أن عبقرية محفوظ تكمن فى قدرته على النمو ومثابرته فى الأداء وطاقته الجبارة فى التجريب والابتكار، والدأب المنتظم الذى جعله يتخطى أقرانه ومع التراكم المتنامى فى الاتجاه الصحيح وتفادى الصراعات، وعدم إهدار الطاقة الخلاقة، فضلا عن الترشيد المتاح من الإمكانات، وكان هذا كله هو البطانة الأخلاقية التى حفظت لنجيب محفوظ صلابته وجعلته قادرا على حفر مجراه وتدفق عطائه، وفضلا عن نضج حاسته النقدية فى اختيار الشكل الفنى الذى يكتب به، لم يسمح محفوظ لذاته أو لتجاربه الشخصية المباشرة أن تحتكر مخيلته، بل تجارب الجماعة، وبالإضافة إلى هذا فقد تميز بصفاء رؤيته للحياة بوصفها مزيجا مدهشا وخلاقا من الغرائز والمثل العليا، كما صنع استراتيجية لمنظومته القيمية التى تتألف من شقين الأول هو الوعى الليبرالى العميق بقيمة الحرية فى الحياة، وأهمية الديموقراطية للمجتمع، وضرورة العدالة فى الحكم، والثانى من استراتيجية نجيب محفوظ الإبداعية بقدرته على خلق عوالم ذات طبقات جمالية متراكبة مفعمة بأنواع الدلالات القريبة والبعيدة.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

لا إكـراه فى الدين
2019عام انطلاق المشروعات العملاقة بـ«الدقهلية»
كاريكاتير أحمد دياب
الملك سلمان: فلسطين «قضيتنا الأولى» و«حرب اليمن» لم تكن خيارا
الاتـجـاه شـرقــاً
الحكومة تنتهى من (الأسمرات1و2و3)
السيسى: الإسلام أرسى مبادئ التعايش السلمى بين البشر

Facebook twitter rss