صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

20 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

كريم الصياد: الأدب عندى لحظة إبداع.. ومشروع وجود

19 اغسطس 2015



حوار■ رانيا هلال
من رحم الإبداع تولد كل أنواع الفنون تأخذ كل منها شكل محددا وصفات واضحة لكنها فى النهاية تبقى من أصل واحد، وعندما تجتمع كل  الفنون أو بعضها فى شخص واحد ينهل من حين لآخر من رحيقها وينشد التحقق من خلالها، ننتظر منه إبداعا مختلفا ومتميزا.. من هؤلاء المبدعين المتعددين الشاعر والقاص كريم الصياد الدارس لبعض فنون الموسيقى والذى صدر له مؤخرا ديوان «آلهة الغسق» وهو مدرس مساعد بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة يدرس حالياً للدكتوراه فى فلسفة التأويل بجامعة كولن بألمانيا الاتحادية وقد صدر له ديوان الأمر 2007 وديوان منهج تربوى مقترح لفاوست 2009 بالإضافة إلى مجموعة قصصية وروايتين.. عن ديوانه الأخير وحول إنتاجه الأدبى وقضايا الثقافة والمثقفين كان حوارنا معه.

■ اخترت فى ديوانك تقديم متتاليات شعرية .. لماذا؟
■ المتتالية الشعرية مشروع شعرى معقد، يتجاوز القصيدة إلى الديوان إلى سلسلة دواوين. وهو-بالنسبة لي محاولة لتأليف «أعمال كاملة» فى مرحلة مبكرة، وهى تختلف عن الأعمال الكاملة لكبار الكتاب والشعراء فى أنها مؤلفة وليست مجمَّعة. وهى تختلف عن تلقى الديوان فى كونها ترسم خطًا أكثر امتدادًا وتركيبًا، ويمكن من خلالها تقديم خبرة أكثر تعقيدًا واتساعًا من التى يقدمها الديوان بطبيعة الحال، تأثرتُ فيها أساسًا ليس بالمتتاليات الشعرية التى حاول البعض تقديمها، ولكن بقراءتى للأدب من خلال الأعمال الكاملة للأدباء، فقد كنت أتلقى الأدب هكذا من خلال الأعمال الكاملة للكاتب إن توافرتْ، وليس من العمل المفرَد، وهذا التلقى أثّر على الإبداع نفسه. أريد أن أرى نفسى فى أقصى مراحل الاكتمال الوجودى من خلال الأدب. الأدب عندى ليس لحظة إبداع وإنما مشروع وجود.
■ كيف ترى المشاريع المشابهة.. التى تعتمد على المتتالية الشعرية فى الأدب العربى؟
■ بدون إشارة إلى أسماء محددة، أنا أشجع فعلاً فكرة المشروع الشعرى الممتد على هيئة المتتالية، أوعلى الأقل الديوان ذى التكوين المتصل، أو ديوان الموضوع. هذا دفع ويدفع الأدب العربى نحو مرحلة أكثر تبلورًا، ويخرجه من حيز إبداع اللحظة التلقائى الضيق الجماهيرى الكمى إلى مجال أكثر رحابة وكيفية، ويضمن إلى حد أكبر عمق العمل. وفكرة المتتالية أنها تفضح الإبداع السطحى والنظرة السطحية للعالم عند الكاتب. إنها اختبار صعب، ولا يجب أن يخوضه الأديب إلا إذا وثق أولاً من قدرته على بلورة رؤية تمتد إلى عدة أعمال وبضع سنين، دون أن يفقد هذه الرؤية جوهرًا من جهة، ودون أن يكرر الشكل أو الأفكار من جهة أخرى، ودون أن يقع فى الكم بديلاً عن الكيف. المتتالية الأدبية لا بد أن تؤسَّس على فكرة لها القدر الكافى من التركيب والتبلور معًا كى تنجح.
■ ماذا أضافت إليك الألمانية.. لغة وثقافة وواقعا معيشا؟
■ أضافت كثيرًا! إن اللغة الألمانية باعتبارها واحدة من أقدم اللغات الهندوآرية ذات تعقيد وصعوبة ونظام صرفى معقد، وهو ما أتاح لها إمكانيات غير متوافرة فى اللغات الأبسط والأحدث كالإنجليزية والفرنسية والإيطالية والبرتغالية والإسبانية مثلاً. وأدب الألمانية متأثر ببنية اللغة وخاصة نظامها النحوى والصرفى، بما يجعله خاصة فى الشعر أكثر ثراء، نظرًا لكون الشعر الفن الأدبى ذا الاتصال الأوثق باللغة. إنه فن اللغة ذاتها! الإضافة الثانية بعد قراءة الأدب الألمانى بلغته هى قراءة الفلسفة الألمانية بلغتها، فقد درسنا الفلسفة الألمانية بالعربية والإنجليزية فى قسم الفلسفة بجامعة القاهرة، ولكن دراستها فى بلدها بلغتها أمر جد مختلف! إن الفلسفة-وهى نقطة اتصالها مع الشعر-تعيد بناء اللغة من خلال أعمال الفلاسفة، وربما كان أهم فيلسوف فى هذا الصدد بالنسبة للغة الألمانية هو هيدجر المتوفى فى 1976. لقد أنشأ هيدجر لغة خاصة به داخل نطاق اللغة الألمانية، ولذلك أَعد بعض الباحثين الفلسفيين واللغويين فى الغرب دراسات عن لغته فضلاً عن فلسفته.
■ حدثنا عن مرحلة اعتزال الشعر.. ما دوافعها.. كيف بدأت وكيف انتهت.. وماذا أضافت إلى تجربتك أو خصمت منها؟
■ اعتزلت الأدب عمومًا وليس الشعر فقط فى أبريل 2012، لعدة أسباب أهمها رغبتى فى الوقوف على تجربتى من مسافة، باعتبارى أديبًا راحلاً مجازًا، لرؤية الذات فى مرحلة اكتمال، وهى ذات ارتباط بفكرة المتتالية الشعرية التى تتيح كذلك النظرة إلى الذات فى إبداعها بشكل أكثر اكتمالاً، وعدت إلى الكتابة بعد سفرى لإعداد الدكتوراه فى فلسفة التأويل الإسلامية بألمانيا، وذلك نتيجة لتجربة جديدة أعادت الحياة إلى تجربتى الأدبية، لقد أضافت لى تجربة اعتزال الأدب ولا شك! فهى حققت قطيعة شكلية نسبية مع المرحلة السابقة عليها، وأدت إلى إبداع جديد مختلف فى الشكل واللغة، وإن امتدت الأفكار الأساسية فى المتتالية.
■ هناك علاقة بين انجذابك للعمارة والموسيقى.. هذا صبغ كتابتك برغبة عارمة فى التشكيل والتشريح.. واهتمام خاص بالبنية والإيقاع.. هل تتفق مع ذلك؟
■ إنها الإحالة المتبادلة بين العمارة والموسيقى، فالموسيقى عمارة متحركة، والعمارة موسيقى متجمدة، كما قال عدد من الشعراء والفلاسفة الألمان مثل جوته وهيجل ونيتشه وغيرهم، الوعى بالبنية مفتاح الإبداع، وكلما كانت البنية أوضح وأنصع وأقوى كلما زادت قدرة الشعور على اختراق ذات المتلقى. نعم، لدى اهتمام قوى بالبنية والموسيقى اللغوية حتى فى قصيدة النثر، وقد تأثر هذا بوضوح بتأثرى بالموسيقى والعمارة.
■ الزمن أيقونة أساسية من أيقونات الديوان.. يتشكل ويتداعى ويتلاشى.. هل تتفق مع من يقولون بوجود صراع بين الشعر والزمن؟
أختلف مع أطروحة أن للشعر زمنًا خاصًا به، الشعر الغنائي غير الدرامى يقوم بتثبيت لحظى للزمن، لكن هناك أشكالاً أخرى للشعر كما فى قصيدة النثر قادرة على احتواء الدراما بكفاءة تامة، دون أن تفقد هويتها الشعرية، ولهذا أطلقُ على قصيدة النثر لقب «القصيدة الديمقراطية»، إذ إنها تستطيع احتواء جميع الأشكال مع احتفاظها بهويتها، تمامًا كاللون الرمادى الذى يحتفظ بهويته مع مزجه بأى لون، كالرمادى المزرقّ، أو الرمادى المحمرّ، وهكذا، للشعر قدرة على إيقاف الزمن غنائيًا، أو إطلاقه فى مجراه دراميًا، وهى إمكانية هائلة غير متوافرة فى النثر. بالتالى يستطيع الشاعر إعادة تصور الزمن وفهمه من خلال الكتابة.
 ■ «المكان بلا صديق لغة غير مقروءة».. حدثنا عن العلاقة بين وحشة المكان ووحشة اللغة؟
■ تجربة الغربة تجربة حقيقية، البعض يتغلب عليها بتعديد مزايا المجتمع الجديد الغريب، والبعض يعترف بوجودها، والكل يعانيها، بالمعنى الأعمق الوجودى لكلمة معاناة، أى كخبرة تبدل أسلوب وجود الإنسان نفسه، وأول فوائد تجربة الغربة بالنسبة للشاعر الفيلسوف هى الوعى بالمكان. هذا الوعى لا يتحقق إلا بتبديل المكان مع عوامل البعد والغرابة. نحن لا نعى الأشياء طالما تعمل بشكل صحيح لتحقيق أغراضها، ولكننا نعيها حينما تتعطل عن أداء مهمتها، مثلما ننتبه فجأة أن الساعة لا تدق، كذلك المكان، فهو يمنحنا الألفة ونقطة الارتكاز والقرب من الذكريات المتجمدة فى أماكن وعمارة ومشاهِد.. إلخ، لكنه حين يتغير يعجز أن يمدنا بالألفة أو ثبات الهوية، وبالتالى فوحشة المكان تؤدى إلى الوعى به للمرة الأولى. وقد كتبت قصائد «آلهة الغسق» فى المكان ومن المكان وعن المكان. كنت أكتب فى الشارع وفى المقاهى وفى الحدائق أو الغابات، كتابة من الخارج إلى الداخل، وأحاول فهم المكان ذاته بما هو مكان، وكيف يختلف عن الزمان، وكيف يتعلق به، وهو ما يتضح فى عدة قصائد منها «المكان»، و«أشلاء وعى»، و«أوتوإيل»، أما وحشة اللغة فقد أفادت بالطريقة نفسها الوعى باللغة بما هى لغة، مثلا فى قصيدة «وقائع مؤتمر هيجل فى السياق».
■ صف لنا المشهد الثقافى الألمانى من وجهة نظر مصرية؟
■ أستطيع أن أصفه من «وجهة نظرى»، ألمانيا اليوم ليست ألمانيا وطن الفلسفة والشعر، كما كانت مثلاً بين الحربين العالميتين، أو قبل الحرب الثانية عمومًا، لقد حدث تحول جذرى غير محدود كمًا وغير محدد بالضبط كيفًا فى العقل الغربي، نتيجة ربما للحرب الثانية وتداعياتها، أو نتيجة لتطور الحداثة واكتمالها، مما أدى إلى عدة نتائج أبرزها انشغال الفرد بالإنتاج عن الإبداع، النمو هو كلمة السر فى الغرب حاليًا، أو على الأقل فى أوروبا، وليس الإبداع، وقارئ «الأدب الألمانى فى نصف قرن» لعبد الرحمن بدوي، أو «التفسيرية الفلسفية» لجادامر، الفيلسوف الألمانى المعاصر الذى قام فى هذا الكتاب وغيره باستقصاء نشأة وارتقاء المجتمعات الفلسفية فى ألمانيا بين الحربين، لتبين ذلك بوضوح، أوروبا اليوم مزج بين المصنع والمستشفى، بين الإنتاج والرعاية، بين الصناعة والحفاظ على البيئة والصحة، بين التكاثر والحفظ، بين نسخ نمط بعينه، والحفاظ على بقية الأنماط الكائنة، وتخلو هذه الثنائيات من الإبداع، أوروبا أحبطتنى كثيرًا حين زرت أكبر مدنها -عدا لندن وعشت فيها ودرست فيها بدءًا من 2013، رغم أن التجربة عمّقت وعيى بما لا يقاس بالنسبة لما سبق.
على النقيض فالمجتمع الأدبى المصرى لم يزل يعبر عن مرحلة خلق الذات وتأكيدها، فى ظل الأزمات المعيشة، ويتميز بحالة «مجتمع» أدبي، هى أقرب إلى مسوّدة إبداعية جماعية، يشترك فى صياغتها آلاف المبدعين بين الأدب وغيره، على خلاف الوضع الثقافى فى أوروبا، الذى هو أقرب إلى أفراد منعزلين. والمجتمع الغربى يعمل على العزل باطّراد، وليس على العمل المشترك، وذلك بالنسبة للعمل الإبداعى، وليس الأدائى.

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

دينا.. جاليرى للمشغولات اليدوية
القوات المسلحة: ماضون بإرادة قوية وعزيمة لا تلين فى حماية الوطن والحفاظ على قدسيته
كاريكاتير أحمد دياب
معركة بالأسلحة فى مركب على النيل بسبب «الفاتورة»
الجبخانة.. إهمال وكلاب ضالة تستبيح تاريخ «محمد على باشا»
قرينة الرئيس تدعو للشراكة بين الشباب والمستثمرين حول العالم
الأرصاد الجوية تعمل فى الإجازة بسبب تفتيش «WMO»

Facebook twitter rss