صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

26 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

أنيس منصور المثقف الرحال

18 اغسطس 2015



أعدتها للنشر - رانيا هلال

هو الكاتب الأبرز فى جذب القراء من مختلف الأعمار نرى من هم دون السادسة عشرة يقرأون له ومن هم فوقها كذلك. ماتزال كتاباته تحقق مبيعات كبيرة وستظل كلماته تمثل نبراسا ذهبيا يضيء الطرق ويؤنس الضائع والوحيد والمحب والشريد. فى ذكرى ميلاده نرصد بعض آثار وميضة على الشباب من الكتاب والمبدعين الذين نشأوا على كتبه ورحلاته وترجماته وحتى المسلسلات التى كتبها للتليفزيون فصارت ذكرى لفترات وذكريات لا تنسى فى أعمارنا.
ولد الكاتب والمترجم أنيس منصور فى 18 أغسطس 1924 فى إحدى قرى محافظة الدقهلية الواقعة فى شرق دلتا النيل وقد حفظ القرآن كله وهو فى سن التاسعة عند «كتاب القرية» وكان له فى ذلك الكُتاب حكايات عديدة حكى عن بعضها فى كتابه عاشوا فى حياتي،كما كان يحفظ آلاف الأبيات من الشعر العربى والأجنبى.
واستكمل أنيس منصور دراسته الثانوية فى مدينة المنصورة حيث كان متفوقاً شديد النباهة، ثم التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة برغبته الشخصية، دخل قسم الفلسفة الذى تفوق فيه، وحصل على ليسانس آداب عام 1947، وعمل أستاذاً فى القسم ذاته لكن فى جامعة عين شمس لفترة حيث عمل مدرساً للفلسفة الحديثة بكلية الآداب جامعة عين شمس من عام 1954 حتى عام 1963، وعاد للتدريس مرة أخرى عام 1975. ثم تفرغ للكتابة والعمل الصحفى فى مؤسسة أخبار اليوم والإبداع الأدبى فى شتى صوره.
وظل أنيس منصور لفترة لا هم له إلا شراء الكتب ودراسة الفلسفة حتى وقعت له نقطة تحول مهمة، هى حضوره لصالون عباس محمود العقاد، والذى كان بالنسبة له بمثابة بوابة على عالم آخر لم يعهده من قبل، وسجل كل ذلك فى كتاب فى صالون العقاد كانت لنا أيام وقدم فيه مشاكل جيله وعذاباته وقلقه وخوفه وآراءه فى مواجهة جيل العمالقة من أمثال طه حسين، العقاد، توفيق الحكيم، سلامة موسى وغيرهم الكثير من أعلام الفكر والثقافة فى مصر فى ذلك الوقت.


أنيس والصحافة
كانت بداية أنيس منصور فى عالم الصحافة مع مؤسسة أخبار اليوم - إحدى أكبر المؤسسات الصحفية المصرية - حين انتقل إليها مع كامل الشناوى، وتتلمذ على يد مؤسسيها الأستاذين مصطفى وعلى أمين ثم ما لبث أن تركها وتوجه إلى مؤسسة الأهرام فى مايو عام 1950 حتى عام 1952 ثم سافر أنيس منصور وكامل الشناوى إلى أوروبا، وفى ذلك الوقت قامت ثورة 23 يوليو 1952، وقام أنيس منصور بإرسال أول مواضيعه إلى أخبار اليوم. وكان يقول: كانت بدايتى فى العمل الصحفى فى أخبار اليوم وهذا بالضبط ما لا أحب ولا أريد، أنا أريد أن أكتب أدباً وفلسفة فأنا لا أحب العمل الصحفى البحت أنا أديب كنت وسأظل أعمل فى الصحافة. ظل يعمل فى أخبار اليوم حتى تركها فى عام 1976 ليصبح رئيساً لمجلس إدارة دار المعارف، ثم أصدر مجلة الكواكب

 أنيس والترجمة
كان لأنيس منصور نشاط واسع فى ميدان الترجمة، حيث ترجم إلى العربية عديداً من الكتب والأعمال الأدبية الأجنبية، بلغت نحو 9 مسرحيات ونحو 5 روايات من لغات مختلفة، إلى جانب 12 كتاباً لفلاسفة أوروبيين. وفى الوقت ذاته اهتمت دور النشر العالمية بترجمة كثير من أعماله إلى اللغات الأوروبية خاصة الإنجليزية والإيطالية وكتابه «حول العالم فى 200» يوم هو الأكثر انتشاراً باللغة العربية. ثم تفرغ فى أواخر حياته لكتابة المقال السياسى والاجتماعى المعروف مواقف فى جريدة الأهرام اليومية إلى جانب عموده اليومى فى جريدة الشرق الأوسط.
كانت كتاباته عن الوجودية من أفضل ما كتب عنها باللغة العربية، وكان أكبر قارئ فى العالم العربى كما وصفه الأديب طه حسين، وساعده على ذلك إجادته لعدة لغات أجنبية، لم يكن أنيس منصور يترجم ما يقرأ من مصادر أجنبية، بل كان يهضم مايقرأ تماماً ثم يبدأ فى كتابة مقال عن الموضوع بعقل المفكر الفيلسوف فيضيف إليه معلومات ورؤية جديدة، وكان حريصاً فى عموده اليومى على أن يقدم للقارئ المصرى والعربى معلومة جديدة أو أكثر فى كل مقال، لقد كانت له طريقة أو توليفة خاصة فى الكتابة يصعب تقليدها وانجذب لها ملايين القراء فى الوطن العربى كله فأقبلوا على مقالاته وكتبه ومؤلفاته التى حققت أرقام مبيعات قياسية.

 أنيس والتليفزيون
له العديد من المؤلفات التى تحول بعضها إلى مسلسلات تليفزيونية منها: من الذى لا يحب فاطمة، حقنة بنج، اتنين..اتنين، عريس فاطمة، غاضبون وغاضبات، هى وغيرها، هى وعشاقها، العبقري، القلب بدأ يدق، يعود الماضى يعود، والحياة الثرية التى عاشها أنيس منصور فى دنيا الكتابة والتأليف بالعربية قادته أيضا إلى عالم الترجمة، حيث ترجم العديد من الكتب والأعمال الأدبية إلى العربية، كما ترجم أكثر من 9 مسرحيات بلغات مختلفة ونحو 5 روايات مترجمة، ونحو 12 كتابا لفلاسفة أوروبيين، كما ألف أكثر من 13 مسرحية باللغة العربية.
وهنا نرصد معا بعضاً من آراء وشهادات شباب الكتاب عنه فى ذكرى ميلاده ونرسل له تحية إعزاز وتقدير لما قدمه للعالم العربى من كتب وانجازات فكرية وترجمات ومتعة حقيقية ونزهات ورحلات شيقة.

الكاتبة لمياء مختار: أنيس منصور هو الروح الوثابة
حين قدمه لعالم الأدب إحسان عبدالقدوس قال إنه «كوكتيل من العقاد وطه حسين والحكيم وجان بول سارتر»، ولو أردنا أن نلخص أنيس منصور فى كلمتين لقلنا: «روح وثابة»، فقد كان يتطلع دائماً لكل ما هو خفى فى ذلك العالم، فكان أديباً وفيلسوفاً وصحفياً ومفكراً وناقداً، كان من الذكاء بحيث أدرك أن أسلوبه فى الكتابة ينبغى أن يبسط كى تصل أفكاره إلى الناس ولا يكون مثل فلاسفة كبار قال إنهم كانوا شديدى العمق والتعقيد فى أسلوبهم فلم تصل أفكارهم للناس للأسف فكأنهم قالوا ولم يقولوا، فكان فى بداياته يعيد كتابة مقالاته ليدرب نفسه حتى توصل إلى ذلك الأسلوب الفريد العذب فى الكتابة الذى اشتهر به.. شرفت بالتعامل معه كأستاذ كما شرفت بالكتابة عنه من قبل فى مجلة الهلال فى عدد خاص عنه فكتبت أن قلمه يحقق أساطير ينبوع الشباب الدائم وبيجاسوس وذهب ميداس.. فقلمه شاب طازج غض كأنه يغمسه فى ينبوع الشباب السحرى، وهو مثل بيجاسوس ذلك الجواد المجنح فى الأساطير الإغريقية الذى إذا ضرب بحافره الأرض انبجس ينبوع منها يملؤها بالخضرة والنضارة ، وقلمه يحول كل ما يمر عليه بمداده إلى ذهب كما كان يفعل الملك ميداس بلمسته السحرية.. وصفه قارئ بأنه كان «الإنترنت» قبل أن نعرفها.. وقد كان.. وجهنى أدبياً فى بداياتى بأسلوب أبوى أزال الرهبة من نفسى فى بداية معرفتى به، أما عن عداوة أنيس منصور المزعومة للمرأة فهى ليست أكثر من وهم أو دعابة أو نكتة ، يقول ساخراً عن ظلم الرجل للمرأة: «تعلمت المرأة فى مدرسة الرجل، فآمنت بما قرأت وما سمعت، واتهمت نفسها.. أما الرجال فبراءة!» .. عبر عن مشواره فقال: «لقد كان العالم كتاباً كبيراً عريضاً طويلاً غنياً بألفاظه ومعانيه.. رأيت أجمل ما فى الدنيا.. وعرفت أقسى ما فى الدنيا: الوحدة.. وحققت أعظم ما فى الحياة: أن أسعد الآخرين».

القاص يوسف الرفاعى: أنيس منصور أيقونة الغموض
يصعب على من لم يلامس دوائر الراحل أنيس منصور، المغامرة بالكتابة عنه. فحياته لوحة سيريالية يصعب فك رموزها، ونتاجه الفكري، مزيج محكم من البوح والكتمان، لكاتب فيلسوف، وسياسى حذر غير منتمٍ، وخبير فى شئون الحياة والحب والنساء، أحب الأدب، وكره الصحافة، واحتقر السياسة، ووصفها بأنها «فن السفالة الأنيقة».
وأحسب أن من سيكتب عن أنيس منصور لن يكشف أسراراً، فقد قال عن نفسه كل شيء تقريباً، فى 200 كتاب، وعبر مئات المقالات، و10 مسلسلات درامية أشهرها «من الذى لا يحب فاطمة». لكن الأسرار فى حالة أنيس منصور ليست الهدف، فشخصيته العميقة تحتاج إلى سباح ماهر يجيد استخراج اللآلئ من نسيجه الذهنى الذى صنعه خليط مجتمعى نادر.
وبينما زاحم «أنيس» الفلاسفة وكبار الأدباء، من خلال صالون العقاد، ووصفه طه حسين بأنه أكبر قارئ فى العالم العربي، لم يفك أحد شفرات حياته الصحفية، التى «تجرأ» فجاهر بعدم حبه لها، رغم أنها أحبته، ومنحته شرف أن يكون أصغر من تولى رئاسة تحرير فى مصر، وقادته إلى قلب زعيم بقدر الرئيس السادات.

الشاعر عصام مهران: الكاتب لا يعبر عن حاله دائما
عرفت أنيس منصور من كتاباته الساخرة أو كتاباته عم المرأة فى جريدة  الأهرام وشدنى إليه أسلوبه فى الكتابة عن المرأة وكأنه عدو لدود لها.. يقول فى أحد منشوراته: (يقول علماء التطور إن الطبيعة احتاجت إلى ملايين السنين لتطويرالقرد إلى رجل، ومع ذلك باستطاعة المرأة أن تعيد الرجل إلى أصله فى لحظة واحدة) وعرفت فيما بعد أنها عداوة ظاهرية؛ فهو يعيش قصة حب وارتباط جميل مع زوجته  وربما اتخذ من هذه الكتابة الساخرة أسلوبا للتفرد؛ تعمقت فى قراءته ومتابعته فرأيت كاتبا آخر من خلال كتابه.
«الذين عادوا إلى السماء»، «الذين هبطوا من السماء» والعبقرى ومن الذى لا يحب فاطمة .. هو كاتب  عبقرى متنوع ومتفرد  ويكفى حرصى على متابعة عموده فى الأهرام (مواقف).
 وكل عبقرى له طقوس خاصة فى الكتابة وهو اشتهر بالكتابة فى الصباح الباكر وبطقوس غريبة مثل قلة النوم أو ممارسة الكتابة حافيا.. من هنا اقتنعت أن الكاتب  لا يعبر بالضرورة عن حاله  كما يرى معظم القراء.. إنما هو مرآة عاكسة  للمجتمع حوله وللمتغيرات والمؤثرات.. رحم الله كاتبا مبدعا مميزا.

 الكاتبة نسرين البخشونجى: السعادة تنتقل بالعدوى
الخداع والكذب والغرور ليس عملا واعيا عند المرأة، إنها الغريزة. ما أقسى أن تقرأ أنثى جملة كهذه . ربما لهذا السبب كنت أكره الكاتب الراحل أنيس منصور، لكننى فى ذات الوقت كنت أقرأ بشغف ما يكتبه بعموده الأسبوعى بجريدة الأهرام «مواقف». كنت مراهقة حين تعرفت على كاتب اسمه أنيس منصور حين اشتريت كتابه الرائع «حول العالم فى 200 يوم» من معرض القاهرة للكتاب. ثم قرأت كتابه - العجيب - أرواح وأشباح الذى عثرت عليه صدفة فى مكتبة جدى، أقول عجيب لأنه مسل ولكنه لا يضيف شيئا حقيقيا لعقلك..ربما يجعلك تتساءل لمدة طويلة إن كانت الحكايات المكتوبة حقيقية أم من وحى خيال كاتبها. مرورا بكتابه «مذكرات شابة غاضبة» بعدما شاهدت المسلسل المقتبس عن الكتاب. تعجبنى قدرته على صياغة جملة فلسفية ذات إيقاع مضحك مثل: “إن السعادة تنتقل بالعدوى.. لا تنتظر عدوى أحد.. كن حاملاً لهذا الميكروب”. ستظل آخر جملة من مقاله «قبل وبعد 25 يناير»، «فالثورات لا ترتد إلى الخلف. لأنها قوة دافعة إلى الأمام. فلا خوف عليها إلا منها هى.. ثم من أعداء الشعب.. خصوم التجديد.. الحاقدون على الشباب وأسلوبه الجديد وخياله البديع». الأكثر واقعية ووصفا لحال مصر منذ بدء شرارة الثورة قبل سنوات أربع.

الشاعر والقاص مصطفى السيد سمير: قادنى لعالم البحث عن المعرفة
فى بيت عائلتى، كان أبى يمتلك مكتبة كبيرة، بحجم حائط كامل، كان فخورا بها، وبتزاحم الكتب على رفوفها رغم معيشتنا فى محافظة نائية يصعب فيها الحصول على الكتب. كان من المألوف فى هذه المكتبة أن تجد عدة نسخ من كتاب واحد، من طبعة واحدة أو من طبعات عدة، وربما كان عدد النسخ يتناسب طرديا مع شغف أبى وشغفى الخاص بالكتاب وصاحبه، وكانت هذه الظاهرة تزداد إلى حدها الأقصى مع أعمال أنيس منصور. كان أنيس منصور هو أكثر الكتاب الذين اشتركنا، أنا وأبى، فى محبتهم، وتنافسنا فى اقتناء كتبهم. كانت مؤلفاته تضيء بسحر خاص يغرى بالتهامها. دون أن يخفت هذا السحر بقراءة الكتب، وإنما تظل الحاجة لإعادة القراءة مرات عدة. فى تلك المرحلة من حياتى كنت أقف على عتبة العالم الثقافي، خجولا وحائرا وممتلئا بالرهبة. وكنت فى حاجة إلى من يقودنى إلى بدايات طريق البحث عن المعرفة. وكان منصور أفضل من يقوم بهذه المهمة، فهو يقف بين الصحافة والأدب والفلسفة والسياسة، ويمزج بين الترجمة والكتابة الخفيفة. يحمل فى حقيبته الثقافات العربية والإنجليزية والألمانية والإيطالية اللاتى أتقن لغاتهم، وأجاد صناعة العلاقات فيما بينهم. ومن ثم كانت كتب الرحلات هى أكثر كتبه شهرة وأوسعها انتشارا، مثل حول العالم فى 200 يوم، وأعجب الرحلات فى التاريخ، فهى التى أظهر فيها جل مواهبه الفكرية والأدبية، وأفاد من قراءاته وكتابته المتنوعة. فى هذه الكتب يحول منصور الكتابة إلى فن شامل أشبه بالسينما، ويقوم فيها بكل الأدوار. فهو المؤلف الذى يصيغ رؤيته الشخصية للمكان من علامات محددة، وهو المخرج الذى ينتقى مواقع التصوير بعناية ويحدد مساحات أدوار شخصياته المختلفة ما بين أساسية وهامشية، وهو المصور الذى يقرب اللقطة حين يريدك أن تغرق فى التفاصيل، ويبعدها حين يسعى إلى رؤية شاملة، وهو الممثل الذى يحتك بالبشر والأماكن واللغات محاولا إخراج كل ما تحوى من أبعاد، ثم إنه هو عامل السينما الذى يقودك إلى مقعدك المفضل، الذى يمكنك أن ترى منه الفيلم بالزاوية التى تحبها.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

الحاجب المنصور أنقذ نساء المسلمين من الأسر لدى «جارسيا»
وزير المالية فى تصريحات خاصة لـ«روزاليوسف»: طرح صكوك دولية لتنويع مصادر تمويل الموازنة
الدور التنويرى لمكتبة الإسكندرية قديما وحديثا!
جماهير الأهلى تشعل أزمة بين «مرتضى» و«الخطيب»
قمة القاهرة واشنطن فى مقر إقامة الرئيس السيسى
يحيا العدل
مصر محور اهتمام العالم

Facebook twitter rss