صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

21 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

حلمى سالم.. الشاعر الجامح صاحب غواية دفتر الشعر

26 يوليو 2015



ثلاث سنوات مرت على رحيل الشاعر حلمى سالم عن عمر يناهز 61 عاما، وهو أحد أبرز شعراء جيل السبعينيات فى مصر بعد صراع مع فشل كلوى وسرطان فى الرئة وكان وقتها يستعد لإصدار ديوان عن محنة مرضه الأخيرة، وقد سماه «معجزة التنفس»، ولكن القدر لم يمهله.
يعتبر من أبرز شعراء مصر، وهو من مواليد عام 1951 قرية الراهب بمحافظة المنوفية، حصل على ليسانس الصحافة من كلية الآداب بجامعة القاهرة، وعمل صحفيا بجريدة الأهالى ومديرا لتحرير مجلة «أدب ونقد» الفكرية الثقافية المصرية وترأس تحرير مجلة قوس قزح الثقافية المستقلة، وحصل على جائزة التفوق فى الآداب للعام 2006 عن مجمل أعماله الأدبية.
فى شتاء 2007 نشر قصيدته بمجلة «إبداع» تحت عنوان «شرفة ليلى مراد» التى كانت قد نشرت سابقا فى ديوان شعرى بعنوان «الثناء على الضعف»، وبعد إصدارها صدر قرار بسحب نسخ العدد من الأسواق، حيث رأى البعض ان ما ورد فى القصيدة يسيء إلى «الذات الإلهية»، واتهمه مجمع البحوث الإسلامية ان قصيدته تحمل «إلحاداً وزندقة»، وتعرض لحملة تكفيرية، وفى أبريل 2008 أصدرت محكمة القضاء الإدارى حكما يطالب وزارة الثقافة بعدم منح جائزة التفوق للشاعر حلمى سالم بدعوى إساءته للذات الإلهية إلا أن القرار لم ينفذ.
وكان لثورة 25 يناير أثر على حلمى سالم فكتب عام 2012 أحد أعظم دواوينه بعنوان «ارفع رأسك أنت المصري» والذى تحول إلى شعار يردده الشعب المصرى إلى يومنا هذا، وفى ذكرى وفاته الثالثة ننشر شهادات عدد من أصدقائه عن شخصه ومشواره الأدبي.

الناقد الأدبى حسين حمودة: ولا زالت لقاءاتنا ممتدة

فى نقاط عديدة، عبر أزمنة وأماكن متنوعة، التقيت حلمى سالم. فى كل هذه اللقاءات ظل هو هو، أو ظل هو نفسه: الشاعر المبدع الجامح، والمثقف الذى يدافع عن قضايا تستحق الدفاع عنها، والإنسان الودود جدا، الذى يمدّ يده لمصافحتك بحرارة وكأنه لم يقابلك منذ أعوام طويلة، رغم أنكما قد التقيتما قبل أيام.
لقاؤنا الأول كان نحو منتصف سبعينيات القرن الماضى، داخل أسوار كلية الآداب بجامعة القاهرة، مع صديقنا رمضان بسطاويسى. دعانا حلمى سالم إلى صالون الدكتور عبد المنعم تليمة، صائحا بصوت جهورى: «سوف نسهر سهرة ذات حلقتين». وبالفعل، كانت الحلقة الأولى خاصة بالصالون الأدبى، وكانت الحلقة الثانية جلسة شعر وسمر. ابتداء من هذا اللقاء، عرفت حلمى سالم شاعرا مؤمنا بالثورة فى الشعر، ومدافعا عن قيم الإبداع والتقدم، ومتفائلا أبديا، متمسكا بأسباب الحياة.
اللقاءات الكثيرة التى جمعتنا فيما بعد، عبر سنوات وعقود، فى المنتديات الأدبية، عرفت فيها حلمى سالم الشاعر الملتحم بجمهوره.. أقصد المؤدى المتحمس، أيا كانت القصيدة التى يلقيها. كان الجميع، بمن فيهم أنا، يستكملون ما لم تقله الكلمات بما تقوله حركات الجسد وانفعالاته، وكان هذا ملمحا خاصا به وحده. لقد آمن بالشعر الذى تغلغل فى كل كيانه، واكتشف طريقته الخاصة فى إلقائه، وكأنه يعيش عصر ما قبل الكتابة. كان إلقاؤه استعادة لحالة الشعر الأوليّة، التى تجعلك لا تقرأ الشعر وإنما تسمعه وتعيشه وتراه.
متابعاتى لكتابات حلمى سالم الوفيرة كانت بمثابة لقاءات متجددة دوما معه.
كتب حلمى سالم دواوينه المتعددة، ومنها: «حبيبتى مزروعة فى دماء الأرض»، «سكندريا يكون الألم»، «الأبيض المتوسط»، «سيرة بيروت»، «البائية والحائى»، «فقه اللذة»، «سراب التريكو»، «الغرام المسلّح»، «مدائح جلطة المخ»، «الثناء على الضعف»..إلخ، وكتب كتاباته مثل: «الثقافة تحت الحصار»، الوتر والعازفون»، «هيا إلى الأب»، «الحداثة أخت التسامح»، «ثقافة كاتم الصوت»، التصويب على الدماغ: كلمات فى الحرية والقمع»، «محاكمة شرفة ليلى مراد»..إلخ. وبجانب ذلك، قام بأدوار ثقافية فى بعض مجلات ودوريات، منها: «إضاءة»، و»بلسم»، و»أدب ونقد».
خلال هذه الإبداعات والكتابات والأدوار، ظل حلمى سالم متمسكا بـ«مواقف» تليق بشاعر وبمثقف حقيقى. ظل يدافع عن قضايا لاتزال تستحق الدفاع عنها حتى الآن: الحرية، والتسامح، و»تجديد الفكر والخطاب الدينى»ـ وقد استخدم هذه العبارة حرفيا والدولة المدنية، وعدم الحكم على الإبداع من منظور عقائدى أو أخلاقى أو سياسى.. وظل يواجه التطرف والإرهاب بكل أشكالهما، ويناوش فقهاء الظلام المعادين للعقلانية والاستنارة والتقدم.. وظل يرفض ممارسات «كاتم الصوت» التى تستخدم السلاح للتخلص من أصحاب الرأى المغاير.
لقائى الأخير به كان قبيل رحيله بفترة قصيرة، بعد عملية جراحية كبيرة قد أجراها. كان هذا اللقاء مع مجموعة من الصديقات والأصدقاء، وقد نظّمته المبدعة ميسون صقر.
حاولنا أن ندارى إحساسنا بالتعاطف والأسيان مع معاناته فى مرضه. وظل هو متشبثا بتفاؤله التاريخى. وألقى بعض قصائده الأخيرة، بالحماس نفسه ولكن بقليل من الوهن.
الآن، أسترجع لقاءاتنا الممتدة، وأستعيد قصائده وكتاباته ومواقفه ومعاركه النبيلة.. فأشعر أنه لا يزال كما كان وظل دائما: المبدع المتفائل المدافع عن النور والتقدم والحياة، وأوقن أنه لا يزال معنا، يدافع عما ندافع عنه، ويواجه ما نواجهه.


الشاعر إبراهيم داود: أفتقده وأنتظر عودته

قبل وفاته بثلاثة شهور أصيب حلمى سالم بسرطان الرئة، ووافق الفريق سامى عنان على علاجه فى مستشفيات القوات المسلحة بعد تدخل الدكتور شاكر عبدالحميد وزير الثقافة السابق ، ولحسن الحظ استجاب للعلاج، وهو قال لى إن الأمور تتحسن «لأنه فى أوله»، قبلها كان قد أصيب بجلطة فى المخ، كتب فيها ديوانه الرائق «مدائح جلطة المخ»، وقال لى الشاعر عبدالمنعم رمضان إن حلمى أصيب بفشل كلوي ويغسل ثلاث مرات أسبوعيا، قلب ومخ وصدر الشاعر مستهدفون، ولا يستطيع أحدنا مساعدته على تجاوز الألم، سيكتب الأدباء بغضب عن أهمية معالجة الأدباء على نفقة الدولة، وأنا لست معهم، لأنه ينبغي على أن يعالج الجميع على نفقتها، وليس الأدباء وحدهم، وبدون وساطة، وأعتقد أننا لو فشلنا فى تحقيق ذلك ستكون الثورة فشلت، الثورة التى بشر بها حلمى خلال مسيرته الإبداعية وانخراطه فى العمل العام ، اتفق أو اختلف معه، لأنك أمام شخص متحضر، مشغول طوال عمره بقضيتى الشعر والحرية، ولم يخضع لابتزاز المتربصين بالشعر الجديد والحرية، يحلو لى دائما أن أقول أننى أعرفه منذ ثورة 19، كنت جاره فى السكن لسنوات طويلة، وعملت معه لمدة عامين مطلع التسعينيات، وظل صديقى على طول الخط.
هو يبحث عن الشعر فى الألم وفى المخلفات التى تركتها الحضارة الجديدة فى الشوارع، هو حزين على ما آلت إليه البشرية من فجاجة، تسعده الحيل الطفولية التى يبتكرها وهو يكتب، لم يقصد أن يكون حكيما ولا رائدا كالآخرين، هو معنى كبير فى الثقافة المصرية النقية، كان أول من تجاوز الخلافات الأيديولوجية الساذجة التى فرقت بين شعراء جيله، هو أكثرهم انفتاحا واستطعاما لتجارب الآخرين، يعرف أن اكتشاف موهبة جديدة أهم من اكتشاف قارة، طريقته فى البحث عن الشعر هى محاولة لتجنب الألم والإحباط، قصيدة جيله - السبعينيات - كانت رد فعل هزيمة يونيو، كانت مليئة بالكوابيس والتهويمات والأحزان، ظل كثيرون فيها، وأفلت منها قليلون، أصبحوا فيما بعد عنوانا لجيل أنجب أحمد عبدالله ومحمد السيد سعيد وأحمد بهاء الدين شعبان وعادل السيوى ورضوان الكاشف وغيرهم، من الذين يشيرون إلى شىء كبير ونافذ داخل وجدان الجماعة الوطنية، حلمى ومحمد بدوى وأحمد طه، هم الأقرب إلى قلبى فى شعراء السبعينيات، لأنهم اعتبروا الحياة هى المصدر الأول للمعرفة، ولم يرسم أحدهم لنفسه صورة غير التى يعرفها عن نفسه، هم متورطون فى الحياة كأشخاص عاديين، يحبون جيرانهم وأقاربهم وأصدقاءهم، ويحترمون خصومهم فى الوقت نفسه، نجا الثلاثة - من وجهة نظرى - من «المرارات» التى أصابت حتى المتحققين فى جيلهم.
حلمى أكثرهم إنتاجا وتنوعا ومراوغة ورقة، من الصعب أن تأخذ منه موقفا، لأنك - مهما حدث - عندما تلتقيه ستشعر أنك أمام واحد عزيز عليك من أهلك ، حلمى لم يطرح نفسه كشاعر يحتكر الوطنية ويتحدث باسم الشعب، هو مصرى يلملم الارتباك والحيرة والشجن والغضب وشظايا الموسيقى ليصنع قصيدته، يخفق مثل الجميع أحيانا، ولكنه فى معظم الأوقات يصيب، ويكون مصدر إلهام إذا كنت معنيا بالكتابة، الأمراض كانت تنهال عليه وجاءت فى أيام صعبة، رحل.. رحل عنا وعنى. رحل حلمى سالم من ثلاث سنوات، ربما هروبًا من الكتابة عن المشاهد الهزلية المقبضة التى تحيط بنا، وربما اكون بسبب افتقاد هذا النوع من البشر هذه الأيام، اتذكره اتذكر صديقي الريفي وحالته، تذكرت عملى معه ومع عبلة والأستاذة فريدة النقاش قبل ربع قرن، تذكرت أيام جيرتنا فى بولاق الدكرور وخلافاتنا حول الشعر، افتقده وانتظر عودته.


الشاعر جمال القصاص: القفزة الأخيرة فى فضاء حلمى سالم

مثلما كان شاعرا استثنائيا، كان حلمى سالم مريضا استثنائيا بامتياز، أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقنا أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.
تخلى حلمى مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة اللعب مع المرض نفسه ومصادقته وكأنه مجرد طفل ينبغى ملاطفته ومسامرته، وهى الفكرة التى قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معا فى ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد فى ديوانه «الثناء على الضعف».
وكان السؤال الذى يواجهه بألم وحيرة: هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه، طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك، ثم هل يعنى ذلك انتصارا للشاعر نفسه والذى لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادرا على أن يضخ فى شرايينها روح الجِدة والمغامرة.
ومع دخوله فى محنة «الفشل الكلوي»، وبعد أن نجا من «سرطان الرئة» أدرك حلمى أن سؤاله سيظل مسكونا بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء.. فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.
معنويا بنى حلمى استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامى عليه واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة خبرها فى الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، إلا أن روح التسامى كانت أداة الشحن الأساسية فى أن ينتصر - ولو مؤقتا - بإرادة الشعر ويقاوم بشراسة، عسى أن يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى هذه المحطة الأحرج، حيث ينهى الجسد لعبته مع المرض اللعين، مستسلما إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى، يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.
فنيا أدرك حلمى أنه يطل على القصيدة وعلى الحياة من ثقوب المرض، وأنه يقف على حافة الموت الذى قد يخطفه فى أية لحظة، فرغم معاناته المضنية كثف طاقته الشعرية تركز كل جهدها فى محاولة تثبيت المشهد فى جسد الزمن وحركة العناصر والأشياء، وفى الوقت نفسه توثيق نثرياته ومفرداته وشخوصه ومقوماته المباشرة وغير المباشرة، بكل هوامشها ومحمولاتها الإنسانية والتراثية، وأيضا لحظتها الآنية والمنقضية، وكأنه يريد أن يخلق من كل هذا مشهد وداعا يليق بشاعر، عاش حياته فى الشعر وعاش الشعر فيه، وتعلما سويا كيف تكون الطفولة هى الرحم الخصب لمدارات الفعل الشعري.
هذا الهم يبرز على نحو لافت فى ديوانه الأخيرة والذى اختار له اسم «معجزة التنفس». فالمشهد لم يعد مجرد حالة من القنص العابر لزوايا وكوادر معينة تعمل على دعم شعرية الموضوع والرؤية فى النص، كما أن حركيته الإيقاعية أصبحت تتسم بالبطء، ولم تعد واخزة وخاطفة، مسكونة بالتحول والتبدل، كما كان فى دواوينه السابقة، وإنما تسعى إلى تثبيت المشهد ولملمته.. لا تريده أن ينفلت أو ينقلب على ماهيته الصورية والفنية، وأيضا النفسية، تريده أن يوازى الصعوبة التى ألمت بحركة الشهيق والزفير، والتى أصبحت متعثرة وقصيرة تماما كالحياة فى محنة المرض.
على هذا النحو يثبت حلمى سالم صورة العائلة فى المشهد ويوثقها بطرق شتى فى متن النص، وفى الوقت نفسه، لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما كحقيقة مائلة وحية فى طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصى والعام.. يقول فى إحدى قصائد الديوان بعنوان «تحليل دم» مستحضرا صورة أسرته الصغيرة:
«قلتُ لشقيقة النهر
أريد بعد خروجى من البئر بناتى أمامي
نشلونى من البئر فى قفةٍ
فكنتُ خلف خوص قفةٍ أتبين الصبايا
 لميس: ذكاءُ القلب والنديّة، حكمة الحنان
 عيون القطط، ورائحة «زاهية»
رنيم: حصّةٌ فى الرِّقة، القافزة خلف البحر
قبل موسم القفز، الذوبان لحاله.
حنين: سلامة الفطرة، ملح الأرض التي
لا يعجبها «دهاليزى والصيف ذو الوطء»
وبسببى حفظت مستشفيات القطر».
ولا يكتفى حلمى بذلك بل يطل على صورة العائلة فى إطارها الأوسع، حيث تتعدد صور أخوته وأخواته، وأعمامه وأخواله، ويقرن حضورهم بصيحة الديك، وكأنه يستنهض بها صحوة أخرى لحلم يشارف على الزوال.. يقول فى قصيدة بعنوان «مستقبل الحب»:
«قلت لأمهاتي
أريد أن أرى إخوتي
قبل أن يصيح الديك
ورحت فى منزلةٍ
بعد برهة ميزتهم بين نوم وصحو أمامي».
ثم يسرد أسماءهم، وكأنها كتاب مفتوح أمامه للتو. يعيد ترتيب أحرفه وصفحاته، ويتأمل صورته فى ظلاله وهوامشه بلهفة الأب العاشق والأم الحنون، والأخ الأكبر الذى يدرك ثقل الأمانة وحكمة السنين، كما أنه يوسع المشهد ليضم أصدقاء أصبحوا بحكم ميراث الصداقة النبيل أغصانا فى شجرة العائلة.. يقول فى القصيدة السالفة نفسها وكأنه يرسم مشهدا طقسيا للحن الختام:
«قبلت أيديهم
وتقدمتم وفى صعوده ربوة،
وهم يذرفون الدمع،
وقبل أن يختفوا همس لى الصبيُّ
الذى جعل مهاتفته لى جزءا من دوائي
احترس يا رفيقي
من الموج والنوَّات والصبايا الغارقات والغريق
من الفَرقِ والفراقِ والفريق
عند هذا البرزخ سنقابل الأندلس
حيث الفتى النحيل يصرخ:
ستنجو يا شقيق الأب،
وحيث نعرف أننا عميان
ما لم نر باللسان
مستقبلَ الحبّ،
وحيث يحضن الجندى طفلا
فوق دبابة».
ورغم أن حلمى يخرج بالمشهد من هذا الفضاء الخاص إلى الخارج ويشتبك مع تداعياته الراهنة، إلا أن صورة العائلة تظل هى النواة الصلبة لتثبيت المشهد، إنه يطل على الواقع الخارجى من مرآة العائلة، وتحديدا واقع ثورة 25 يناير، بكل ما أفرزته من تداعيات ومفارقات على المستوى السياسى والاجتماعى والإنساني.
ومن اللافت هنا أن حلمى فى تعامله مع صورة العائلة يضع الشخوص فى حالة شعرية رقيقة حانية، ويخلق لها إطارا جماليا وتشكيليا شفيفا يعتمد على البساطة اللغوية ولطشات السرد المشرّبة بطاقة شعرية حميمة، وذلك على عكس تعامله مع تداعيات الواقع الخارجي، حيث تتسم الصورة الشعرية بالحدة وتصبح سلاحا للإدانة والتعرية فى مواجهة العنف والقمع، حتى أننا نلمس نوعا من التوازن الرهيف بين توتر اللغة وعنف الواقع نفسه.
يضاف إلى ذلك أن المفارقة فى هذا الديوان لم تعد مجرد أداة ومقوما فنيا ذا وظيفة دلالية محددة، وإنما أصبحت أكثر شمولا وتجذرا، فهى مفارقة وجود مسكون بالفناء، وبروائح موت تتناثر هنا وهناك، تتجسد صورتها فى مظاهرات الثوار فى الميادين والشوارع بحثا عن حلم العدل والحرية، ويلمسها من حوله بالمستشفى فى صورة المرضى وهم يصارعون الألم من أجل التشبث بالحياة .. تنعكس روح المفارقة بشكل واضح ومباشر فى قصيدة «السارقون»، والتى يستهلها على هذا النحو:
«كان الطبيب بالنجمات الثلاث والنسر
يحطُّ مبضعا على فأر ليستأصل الداءَ
بينما كان النقيب الشاب فى شارع جانبي
 يصوب الرصاص نحو عيون فتىً يصيحُ:
يا عدلُ..
وجُندُ النقيب حوله يهتفون فيه:
أحسنتَ يا باشا».
وحينما كان الطبيب بالنجمات الثلاث والنسر
يشفط الماءَ عن رئتيَّ
حتى لا تموتا غرقانتين
بعد أن أفلتتا من أن تموتا مأكولتين
بالكيمياء والفئران
كانت جموعٌ فى قارعة الطريق
تحمل نعوشَ أبنائها الذين سلّموا السِّر الإلهي».
وليس خفيا أن المصادفة هنا تدعم روح المفارقة، فالشاعر كان يعالج بمستشفى القوات المسلحة وعلى نفقتها، كما أن جنودها هم من يواجهون المتظاهرين فى الشارع بالتعاون مع الشرطة.
هذا الوعى الجديد التلقائى بروح المفارقة انعكس أيضا على فضاء التناص والكولاج، وهما عنصران أحسب أنهما أساسيان فى تجربة حلمى الشعرية. لكن فعاليتهما فى هذا الديوان انكمشت إلى حد كبير، فلم يعد التناص يحيل إلى الخارج، بل أصبح ينبع من الداخل، من الإحساس بالفقد وهواجس الانخطاف والرحيل المباغت، كما اختفت شرائح الكولاج فى بياض الخلفية، ليصبح النص الشعرى بمثابة حبل سري، وقفزة أخيرة لتثبيت صورة العائلة فى المشهد.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

آلام الإنسانية
20 خطيئة لمرسى العياط
مصر تحارب الشائعات
السيسى فى الأمم المتحدة للمرة الـ5
إعلان «شرم الشيخ» وثيقة دولية وإقليمية لمواجهة جرائم الاتجار بالبشر
توصيل الغاز الطبيعى لمليون وحدة سكنية بالصعيد
20 خطيئة لمرسى العياط

Facebook twitter rss