صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

19 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

صبحى موسى: رمضان صانع العادات

26 يونيو 2015



رمضان شهر الذكريات والروائح الملونة بألوان الفوانيس والياميش وأصوات التواشيح الدينية. لكل منا رمضانه الخاص ذلك البعيد أيام الطفولة  والذى نحتفظ به قابعا فى الذاكرة لا يتزحزح مهما مر الزمن عليه.. معا نبحر فى رمضانات المثقفين لنشاهد بأعينهم ما عايشوه.

أذكر أننى بدأت الصيام فى مثل هذه الأيام، كنت فى حدود العاشرة من عمرى، الجو كان كما لو أن جهنم قد نزلت إلى الأرض، والوقت كان وقت زراعة الذرة، وكان علينا أن ننزل أكواما مهولة من السماد البلدى على الحمير إلى الأرض، كنا نعمل بالليل، وننام من العاشرة صباحاً حتى بعد العصر، كان كل شخص يبحث له عن مكان يدفن نفسه فيه بعيداً عن الجحيم، البعض كان يلقى بنفسه فى قنوات الري، البعض الآخر كان يبحث عن نوالات البطاطس، وهى الأماكن المختارة بعناية فائقة كى تكون بمثابة ثلاجة طبيعية لحفظ البطاطس حتى يوم إعادة زراعتها سليمة دون تسوس أو نتن، المهم أن ساعة الظهيرة كانت تعنى أن شوارع القرية كلها ليس فيها صريخ ابن يومين، وكأنها قرية مهجورة.
بعد صلاة العصر تبدأ الحياة فى الأخذ والعطاء، كانت الأمهات ترسلنا لشراء الثلج، وكان ألواحاً كبيرة يتم تهشيمها إلى قطع صغيرة توضع فى المياه، بالطبع كنا نتنافس على حمله بين أيدينا وعلى رؤوسنا، متمنين أن تتساب طراوته إلى أفواهنا الجافة كالحطب الناشف، حتى أننا فى الساعة الأخيرة من النهار كنا نتهم المقرئ أو المؤذن بأنه يتعمد التطويل، كان والدى يحضر الراديو الخشب الكبير ويضعه أمام البيت رافعاً صوته حتى نهاية المؤشر، ومحمد رفعت يرفع صوته إلى عنان السماء، صوت من الجبابرة الكبار، قوة وطول نفس ومزاج عال فى التقصير والتطويل، محمد رفعت كان بالنسبة لأبى المعادل الذكوى لأم كلثوم وعصر الملك فاروق.
ارتبط رمضان لدى بالأصوات الجميلة، لم أكن أحفظ الأسماء ولا أعرفها، لكننى كنت أشع بحالة هيام مع الابتهالات التى تسبق أذان الفجر، حالة من الجلال التى يزيدها بهجة النسيم العليل المتهادى فى ظل حر يونيو أو يوليو، لفحة النسيم كانت أفضل ما يبحث عنه المصلون، وأفضل ما يشتمل عليه صوت النقشبندى، لا أعرف هل هذه الأصوات هى التى علمتنى معنى الفن أم أننى اكتشفتها دون وعى منى لأننا بطبيعتى لى علاقة بالفن، لكنى فى العموم كنت ومازلت أحب الطقوس الجماعية،  كالتكبير والتهليل لصلاة العيد، أو السهر مع أمى واخوتى البنات كى أرقب وأساعد فى عمليات خبز البسكوت والكحك، كنت أحب اللمة، ولم يكن هناك أفضل من رمضان يعلمنا معنى اللمة، والحياة بشكل جماعى.. الآن بعدما تفرقت العائلة وصرنا عائلات كثيرة لكنها صغيرة، وصرت أنا الآن أب وصاحب أسرة وصانع العادات فى مخيلة هذه الأسرة، صرت أصر على الصلاة فى رمضان، وقراءة القرآن كل عصر إلى أن يؤذن المغرب، بالطبع استغل أجواء رمضان ليلاً فى بعض القراءات التاريخية، سواء لدى ابن اياس أو الجبرتى أو ابن الكثير أو الطبرى، لا أكتب فى رمضان، ولا أقرأ أدب، أتعامل مع رمضان بوصفه حالة تاريخية لابد من استكمال كل الطقوس المصاحبة لها. هكذا صارت عاداتى الجديدة فى رمضان، والتى تنتهى بنزولى القرية لقضاء أيام العيد مع الأهل والأصدقاء القدامى.
اعدتها للنشر - رانيا هلال

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

الرئيس يرعى مصالح الشعب
فى معرض الفنانة أمانى فهمى «أديم الأرض».. رؤية تصويرية لمرثية شعرية
«عاش هنا» مشروع قومى للترويج للسياحة
466 مليار جنيه حجم التبادل التجارى بين «الزراعة» والاتحاد الأوروبى العام الماضى
الطريق إلى أوبك
نبيل الطرابلسى مدرب نيجيريا فى حوار حصرى: صلاح «أحسن» من «مودريتش والدون»
« روزاليوسف » تعظّم من قدراتها الطباعية بماكينة «CTP» المتطورة

Facebook twitter rss