>



صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

21 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

المقالات

تأملات في خريف العمر!!

11 ابريل 2012

بقلم : عبد المنعم حسن صالح




يقول الله تعالي: «الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير» (الروم/54).

يقول الله تعالي: «ومن نُعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون» (يس/68).

من المؤكد أن الإنسان في نهاية العمر ـ والأعمار  بيد الله تعالي ـ

أو ما يسمونه خريف العمر، يكون قد قضي علي كل ما لديه من قوي، بدءا من اشتعال الرأس شيبا، إلي وهن العظم، وشعف الإبصار، وضآلة السمع، وهزال قوة العقل، وضعف كل القوي الأخري الحيوية.. أي أن الجسد الذي تعيش فيه الروح وتسكن، ويكون قد بلغ أقصاه من الضعف، فيفقد كل الرغبات والشهوات طواعية بحكم السن.. وكل هذا من طبيعة الأمور.. وتبدأ سلسلة الزيارات للأطباء علي اختلاف تخصصاتهم، كل يحاول قدر ما يستطيع من علم في الطب أن يرمم هذا الجسد المتهالك، أو الذي يوشك أن يتداعي ويسقط كالجدار الآيل للسقوط.. فيصبح الجسد كالثوب البالي قد اتسع فيه الخرق علي الراقع.. ويحاول كل طبيب أن يصنع شيئا يعين علي ما تبقي من حياة توشك أن تُودع الدنيا.. والمشكلة التي يعاني منها كل المعمرين، هي محاولة المواءمة بين استمرار الحياة مع ضعف الجسد أو بنية هذا الجسد المتهالك.. ولذلك قال الشاعر القديم متعجبا: تعب كلها الحياة فما أعجب/ إلا من راغب في ازدياد.. ويبدو الدعاء الذي يقال في بعض البلاد العربية بـ«طول العمر» نوعا من السخرية والشماتة.. إذ كيف يرغب الإنسان في طول العمر وقد ضاعت الصحة؟!! ولذلك قيل إن الصحة تاج علي رءوس الأصحاء لا يعرفه إلا المرضي.. وبرغم كل التقدم  العلمي في مجال الطب، يصبح الإنسان المتقدم في السن مجرد صورة باقية كالأثر قد تعجب البعض، ويشفق عليها البعض الآخر.. وربما لا يحفل بعض الكبار بكل ما تأتي به الشيخوخة من متاعب، إذا كان قد حافظ علي صحته في شبابه، بالامتناع عن كذا وكذا من المحرمات أو الممنوعات، كالاسراف في الطعام والشراب، واللهو واللعب والمرح، والجنس، ولا نقول الخمر أو التدخين، ولكن من الممكن كذلك أن يكون السهر وبرامج الحياة اللاهية.. وبرغم ذلك قال الخيام  في رباعياته الحكيمة: غدُ بظهر الغيب واليوم لي فما أطال النوم عمرا، وما قصر في الأعمار طول السهر.

والسهر ولا شك مضنٍ يأكل عمر الإنسان أكلا، كما أن النوم الكثير يجلب الخمول والكسل كتنابلة السلطان الذين كانوا يرتعون في التكايا ولا يعملون شيئا.. ومع تسليمنا الكامل بقضاء الله تعالي في حياة الإنسان خاصة الأعمار، إلا أن الله تعالي برحمته وكرمه يُهيئ للإنسان فرصة المغادرة أو الرحيل بلا خوف من ملك الموت الذي لايراه، أو حزن علي الرحيل وفراق الأحباب.. حين يستشعر قرب الأجل أو النهاية، فيعمد إلي التقرب إلي الله تعالي، أن يحسن ختامه أو خاتمته.. فيمضي إلي ما قدم سعيدا راضيا.. يقول الله تعالي: «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي» (الفجر/27ـ30) وهؤلاء هم الذين فطنوا مبكرا إلي دراما الحياة، وأنها مهما طالت فهي إلي نهاية حتمية.. فكانوا من المقسطين في كل شيء ففازوا بنعيم الدنيا وجنة الآخرة.. وبعد أن اجتازوا امتحان التعادلية بنجاح باهر.. ومأساة كبار السن الخاصة والتي يكتمون معاناتها في صدورهم صابرين، حين تخلو الحياة من حولهم من الأحباب والأصدقاء والزملاء والجيران.. ويفقدون في كل حين وآخر حبيبا أو عزيزا.. فيخلوا البيت من الأولاد والبنات حين يتزوجون.. وأسوأ الأمور شرا أن يخلو البيت عليه وحده.. إذا رحل عنه رفيق الحياة وشريك العمر، فيصبح وحيدا.. قد لا يضيق به أولاده أو بناته.. ويفرح به أحفاده.. ولكن هناك من الأولاد والبنات من طبعت قلوبهم علي العقوق، فلا يعودون ينتظرون منه إلا موته.. راحة من أعبائه وغنيمة وثروة وميراثا وتركة إذا كان ثريا غنيا.. وايثاره للوحدة، مدعاة للعجب.. فربما مات وحده، ولم يشعر بموته أحد.. كقصة هذا الرجل من مدينتنا الذي  لم يسأل عنه أبناؤه الأربعة.. الأربعة.. تصورا ولمدة ست سنوات.. فلما اتصل أحد جيرانه بأحد أبنائه، لكي يأتي لإصلاح المجاري في شقة أبيه، وجدوه مجرد هيكل عظمي في فراشه!! تصور أربعة من الأبناء.. ولمدة ست سنوات، ولم يفكر واحد منهم فقط في السؤال علي أبيه والاطمئنان عليه، ومعرفة ما إذا كان حيا أو ميتا.. فهل بعد هذا عقوق؟!! ولعله مات وهو غير راض عنهم تماما.. سامحهم الله تعالي.. أما الآباء والأمهات الذين يفرون إلي دور المسنين، والعجزة، فهم غالبا ما يفعلون ذلك مضطرين اضطرارا.. ربما بحثا عن الأنيس، والأنس بالآخرين حتي ولو كانوا من كبار السن مثلهم.. حقا.. إن خير الناس من طال عمره، وحسن عمله.. وأجمل من كل هذا أن يكون له من الأبناء والبنات من يبرون أبيهم ويحتضنونه وهو في خريف العمر، لا يملك حولا ولا قوة.. يقول الله تعالي: «وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُُف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا» (الإسراء/ 23،24).

والله المستعان علي ما تصفون والله من وراء المقصد.

 







الرابط الأساسي


مقالات عبد المنعم حسن صالح :

فانتازيا.. حوار بين فتاة مصرية وواحد من الجماعات!
فانتازيا: حوار بين الركود والسيولة!
فانتازيا خلافات بين الحيوانات!

الاكثر قراءة

أبوالليل.. ترك الوظيفة.. وبدأ بـ«ورشة» ليتحول لصاحب مصنع
مارينا.. أنشأت مصنعًا لتشكيل الحديد والإنتاج كله للتصدير
دينا.. جاليرى للمشغولات اليدوية
كاريكاتير أحمد دياب
قلنا لـ«مدبولينيو» ميت عقبة انت فين..فقال: اسألوا «جروس»
«شىء ما يحدث».. مجموعة قصصية تحتفى بمسارات الحياة
المقابل المالى يعرقل انتقال لاعب برازيلى للزمالك

Facebook twitter rss