>



صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

20 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

المقالات

فقدان مصر

9 ابريل 2012

بقلم : ستيفن كوك




إن طريقة إدارة الانتخابات المصرية الأخيرة، وما شابها من تدخل أمنى واسع وكبير النطاق، إضافة إلى سقوط كثير من الضحايا بين قتيل وجريح، إذ يعكس ضعفا جديدًا لم تعرفه الدولة المصرية منذ عقود طويلة، مما هز للمرة الأولى صورة الدولة وقدسيتها عند ملايين المصريين. وهذه النقطة جديرة بلفت نظر صانعى السياسة فى واشنطن إلى أن دولة مصرية ضعيفة إضافة إلى رئاسة جديدة تفتقد أساسا صلبا لمشروعيتها، يمثلان آخر ما تأمل به واشنطن فى حليفتها التقليدية مصر.
 
 كما أن ملف حكم مصر فى عصر ما بعد الرئيس مبارك كان مفتوحا فى واشنطن، وفى التقدير أن التيار الأغلب فى الإدارة –بل والكونجرس- كان يتمنى أن تستمر العلاقات بين القاهرة وواشنطن على حالها فى ظل القيادة المصرية الجديدة حتى إن تساءل بعض المشككين من باحثين وأعضاء كونجرس وصحفيين بارزين عن جدوى العلاقات مع مصر واستدامة الدور المصرى.
 
 
 وفى هذا الإطار فإن مبدأ دعم الديمقراطية حول العالم هو مجرد التزام أخلاقى واجب على واشنطن أن تتبناه وأن تحاول نشره حول العالم، وتملأ الدنيا صخبا حوله، إلا أن سياساتها تؤكد أن هذا لا يمثل سوى سلاح فى مبارزات توازنات سياسية داخلية وخارجية، ولا وجود حقيقيا له على أجندة السياسة الخارجية الحقيقية لأمريكا.
 
 فهم الكثير داخل الدوائر البحثية والحقوقية الانتخابات البرلمانية الأخيرة على أنها رسالة واضحة من الحكومة المصرية لإدارة الرئيس أوباما، مفادها أن القاهرة لم تعد ترى أن الضغط الأمريكى لن يؤدى إلى تغيير حقيقى نحو نظام سياسى أكثر ديمقراطية وأكثر تمثيلا وانفتاحا، وأن من كان يعتقد بذلك فقد كان واهما. القاهرة لم تعد تكترث بالاهتمامات الأمريكية فى هذا الشأن. وقد يقلق هذا التصور كثيرا الإدارة الأمريكية. إلا أن الاعتقاد بضعف الدولة أو التشكيك فى شرعية الرئيس هو ما كان يجب أن يثير اهتمام المسئولين فى القاهرة.
 
 
لم يعد لمصر أبطال فى أوساط صانعى القرار فى واشنطن، لكن هؤلاء ما زالوا يعتقدون أن التغيير السياسى قد يحدث حالة من عدم الاستقرار قد يضع واشنطن فى دائرة الخطر.
 
مع سيطرة الجيش على البلاد فى الفترة الانتقالية يبدو أن أشباح بداية الخمسينيات تعود من جديد لتطغى على المشهد السياسى المصرى»، مقارنا بين ثورة 25 يناير وثورة يوليو 1952.
 
النشوة التى تحيط بتولى المجلس العسكرى إدارة المرحلة الانتقالية والتوقعات أو الآمال فى الانتقال إلى نظام برلمانى وحكومة مدنية تبدو مألوفة ، كما أن الاحتجاجات العمالية فى 14 فبراير الماضى ذكرت المراقبين بالاحتجاجات فى كفر الدوار فى أغسطس عام 1952.
 
الضباط الأحرار استخدموا القوة فى التعامل مع هذه الاحتجاجات لكن المجلس العسكرى اكتفى بإصدار البيان السادس الذى حذر فيه من الآثار السلبية لاستمرار هذه المظاهرات، ودعا العمال والاتحادات المهنية إلى الالتزام بواجباتها.
 
 
ثورة الضباط فى 1952 هى امتداد لسبعة عقود من الفكر الوطنى منذ ثورة عرابى فى عام 1882، وقد كان للصحافة والاسلاميين دور فى تشكيل هذه العقود السبعة بدءا من جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده ورشيد رضا، والأسئلة التى طرحوها حول مصر والإسلام والعالم، ولماذا تخلف العالم الإسلامى عن باقى الدول؟.
 
كما لعبت جماعة الإخوان المسلمين دورا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكانت الحركة الأهم فى مصر خلال تلك الفترة. الإخوان المسلمين والوفد لعبا دورا مهما فى عدم استقرار البلاد، وكانت هناك سلسلة من الاغتيالات السياسية فى تلك الفترة.
 
عبدالناصر ورفاقه لم يكونوا يسعون إلى حكم البلاد بشكل مباشر لأنه لم تكن لديهم خطة واضحة لذلك، إضافة إلى أنهم كانوا يفضلون إجراء إصلاحات فى النظام بدلا من تغييره، لكن الواقع المصرى خلق شيئا مختلفا عن الإصلاح الذى ادعى الضباط رغبتهم فيه.
 
كما انه توجد ثلاثة عوامل أسهمت فى بناء النظام المصرى بعد حركة الضباط وهى محاولة اغتيال عبدالناصر التى حولته فجأة إلى بطل شعبي، واعتقاد الناس أن الضباط يحققون أحلامهم فى العدالة الاجتماعية وإن لم يكن ذلك حقيقيا،والعامل الثالث هو قرار عبدالناصر تأميم قناة السويس.
 
احتلال إسرائيل لسيناء كان مفيدا من الناحية السياسية لعبد الناصر، لأن وجودها كان الخطر الأكبر الذى يهدد مصر، وكان هذا مبررا لفرض حالة الطوارئ، والتى استفاد منها النظام البوليسى الذى أنشأه ناصر فى السنوات التالية. وقد شكلت هزيمة 67، وانتفاضة الطلبة بداية نهاية الولاء لنظام ناصر.
العبور كان له تأثير على وضع السادات السياسى وحوله إلى بطل، وزاد من قوته بحيث أمكنه الإطاحة بالفريق الشاذلى الذى خطط للحرب، وإقالة محمد حسنين هيكل من منصبه بالأهرام، والذى كان فى تلك الفترة معارضا للسادات ويقول إنه سمم ناصر ليتولى الرئاسة.
 
وقد جاء السادات للسلطة بوعود بالرخاء والديمقراطية مع التركيز على القيم الإسلامية وانتماءاته العربية، ولكنه لم يستطع هو أو سلفه أو خلفه فيما بعد تكوين دولة مؤسسات، وبنهاية عصره كانت مصر أكثر أصولية من أى وقت مضى.
 
 
وبغض النظر عن أبوغزالة فإن المشكلة الأساسية التى واجهها مبارك فى الثمانينيات وبداية التسعينيات هى الاقتصاد، مثالا على ذلك خطوات الإصلاح الاقتصادى التى اتخذها بتوصيات من صندوق النقد الدولى والولايات المتحدة.
 
 
منذ بداية عام 2000 بدأ الحديث عن مبارك باعتباره مرحلة انتقالية ستقود البلاد من الحكم السلطوى فى عهد عبد الناصر إلى دولة أكثر ديمقراطية، وظهر هذا فى خطبه، وإعلان الحزب الوطنى عن مبادرة فكر جديد، كخطوة نحو مصر الديمقراطية، معتمدا على لجنة من رجال الأعمال والسياسيين الشباب كان أهم الشخصيات فيها جمال مبارك، ليبدأ الحديث عن خليفة مبارك.
 
 
ولتوضيح الفرق بين الدولة التى ورثها مبارك عام 1981 والدولة التى تركها من خلال شركة عمر أفندي، التى تمثل العهد السابق، وسيتى ستارز، التى تمثل النموذج الذى جلبه مبارك، لا توجد معلومات واضحة حول تأثير الخصخصة على البطالة فى مصر.
 
 
فى تلك الأثناء ، ظهرت حركات المعارضة فى الشارع وعلى الإنترنت، واتجاه نظام مبارك لقمع المعارضة وحبس المدونين، والإخوان المسلمين، فى الوقت الذى كان يتحدث فيه عن الإصلاح والديمقراطية، مثالا على ذلك أصوات ليبرالية مثل سعد الدين إبراهيم، وأيمن نور، وغيرهما من المدونين.
 
 
ومع دخول مبارك سن السبعين بدأ الحديث عن خلافته والسؤال من سيأتى بعد مبارك، وبدأ الحديث عن المرشحين المحتملين، عمر سليمان وجمال مبارك، لافتا إلى لقاء جمال مع المسئولين الأمريكيين فى عام 2003 و2004، وقال إن جمال لم يعلن أنه ينوى الترشح للرئاسة، لكنه كان يقود حملات فى البلاد لتوضيح سياسة الحزب الوطنى الإصلاحية.
 
 
انتفاضة الشعب للمطالبة بحقوقه فى عام 2011 هى امتداد لثورة المصريين ضد حكامهم منذ ثورة عرابى عام 1882، لكن الكفاح من أجل مصر هذه المرة نما بشكل أكبر، وهناك ظروف قادت إلى الثورة وعلى رأسها الانتخابات البرلمانية التى شابها التزوير، وكيفية الدعوة لمظاهرة فى عيد الشرطة، لم يخطط الشعب لتحويلها إلى ثورة، وتفاصيل الأيام الـ18 حتى تنحى مبارك.
 
ان التحديات التى تواجه طنطاوى هى ذاتها التى كانت تواجه الضباط الأحرار فى الخمسينيات، فالمجلس العسكرى ليس لديه خطة عن كيفية تحويل مصر إلى دولة مدنية، لكن دخولهم المفاجئ للسلطة يعطيهم عذرا لعدم استعدادهم.
 
فى الواقع ، من الصعب التكهن بمستقبل مصر والطريق الذى ستسلكه فى الفترة المقبلة، فهناك مزيج بين خطوات إيجابية نحو التحول الديمقراطى وبين مؤشرات لدولة سلطوية، لكن الواضح الآن أن كفاح مصر مستمر.
 
 
اتفهم الرسالة من وراء تقديم الرئيس السابق وعائلته إلى المحاكمة وهى ربما تكون رسالة للحكام فى المستقبل إلا أن المفيد لمصر اليوم هو تفعيل ما سمى فى جنوب إفريقيا بـ«لجنة الحقيقة والمصالحة» التى كان من الممكن أن تدين مبارك وعائلته وعهده إلى الأبد.
 
 
المسئولون عن صناعة القرار سوف يجدون أنفسهم- بعد الانتخابات المقبلة- فى حاجة إلى حسم خياراتهم .أعتقد أن الأفضل هو مواصلة الإصلاحات التى جرت فى العهد السابق وأن الليبرالية الاقتصادية والارتباط بالسوق العالمية لم يكن هو السبب لموجات الكسب غير المشروع والفساد بين أوساط رجال الأعمال ورجال السياسة مثلما يعتقد كثير من المصريين اليوم.
 
حقيقة الأمر أن اللصوصية والتعدى على المال العام كانت وظيفة متكاملة لنظام سياسى منحرف تحت حكم مبارك.
 
وعملية البناء السياسى هى التى سوف تحدد هوية البلد ولو جرت عملية كتابة دستور جديد على نحو جاد وإيجابى فإن مصر سوف تفرز نظاما سياسيا مختلفا وتصبح الإجابة عن سؤال «من نحن» شأنا يجيب عليه طبيعة نظام الحكم الذى ارتضاه المصريون فى مرحلة جديدة من تاريخهم الطويل. وأعتقد أن المصريين لديهم فرصة حقيقية لحسم سؤال الهوية من خلال عملية سياسية شفافة وواضحة فالأكثر أهمية - يقول كوك - هى عملية بناء نظام سياسى يتخلص من سيئات النظام السابق وفى المقدمة منها الفساد وسياسات المحاباة وغياب القواعد القانونية التى تحكم المجتمعات.
 

إن المفارقة فى المشهد المصرى الجديد أنها لم تكن هذه هى المرة الأولى التى حول العالم أنظاره صوب مصر فقبل نصف قرن كانت مصر تحت قيادة جمال عبدالناصر زعيمة للعالم العربى ومنارة لجميع الدول النامية. ولكن فى العقود الأخيرة التى سبقت ثورة 2011 كان يسيطر عليها نظام متصلب عانى من المحسوبية والفساد فى الوقت الدى أدى انخفاض اقتصادها الى حالة من الفوضى وانتشرت العشوائيات المكتظة بالسكان وانتجت البلاد عشرات من المتطرفين الإسلاميين مثل أيمن الظواهرى ومحمد عطا.

ترجمة - داليا طه

نقلا عن كايرو ريفيو







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

السيسى فى الأمم المتحدة للمرة الـ5
مصر تحارب الشائعات
إعلان «شرم الشيخ» وثيقة دولية وإقليمية لمواجهة جرائم الاتجار بالبشر
«كلنا واحد» فى الواحات لمساعدة المواطنين.. والأهالى: تحيا مصر
توصيل الغاز الطبيعى لمليون وحدة سكنية بالصعيد
الانتهاء من تعديلات قانون الضرائب على التجارة الإلكترونية
حزب «المرزوقى» ينقلب عليه

Facebook twitter rss