>



صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

17 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

المقالات

تأملات فى آية الدين

24 اغسطس 2018

بقلم : د. محمد مختار جمعة




 لقد حرص القرآن الكريم على حماية الحقوق الإنسانية بصفة عامة، والحقوق المالية بصفة خاصة، وليس غريبًا أن تكون أطول آية فى القرآن الكريم المعروفة بآية الدَّيْن إنما تدور حول حماية الحقوق وصيانتها وحفظها وتوثيقها، حيث يوجهنا القرآن الكريم إلى كتابة الدين وتوثيقه صغيرًا كان أو كبيرًا إلى أجله المسمى حيث يقول سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ”، وعلى أن يكتب الكاتب بالعدل، حيث يقول سبحانه : “وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ”، والتعبير بلفظ ” بَيْنَكُمْ ” يأتى تأكيدًا على أن يكون الكاتب على مسافة واحدة من الدائن والمدين دون أى ميل أو انحراف تجاه أحدهما على حساب الآخر، وأن يكون الكاتب فى منطقة وسط بين الطرفين.
 ثم يقول سبحانه : ” وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ”، أى فليكتب وفق ما علمه الله وما شرعه الله، مؤديًّا زكاة علمه الذى علمه الله إياه، أو فليكتب وفق ما علمه الله، مؤديًّا شكر ما علمه الله إياه، فزكاة كل شيء إنما تكون من جنسه.
ويقول سبحانه: “وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ”، تثبيتًا وتحقيقًا لأمر الديَّن وقيمته ووصفه، “وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا”، أى ولا يبخس منه شيئًا لا فى الإملاء ولا فى الأداء ولا فى الوفاء، ” فَإِنْ كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ”، فالعدل مطلوب ومؤكد عليه دائمًا من الأصيل أو الوكيل، من الدائن أو وليّه، من الكاتب أو الشاهد، “وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا”، رجالا كانوا أم نساء.
كما أن المستحب هو كتابة الدين صغيرًا كان أو كبيرًا، مع تقديم الصغير على الكبير للاهتمام به وعدم التفريط فى الحق أو إهمال التوثيق صغر الديَّن أم كبر، “وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”  .
وهنا موطن فريد من مواطن البلاغة، حيث عبر النص القرآنى بكلمة لا يحل محلها غيرها، ولا يدانيها فى دلالتها أى لفظ آخر فى أى لغة من اللغات، وهو لفظ ” يُضَارَّ ” فى قوله تعالى : “وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ”، حيث قرئ بالفك والكسر ولا يضارر، وبالفك والفتح ولا يضارر، وبِنية الفعل ” يُضَارَّ ” الصرفية تسمح بالقراءتين، وهو بذلك يحمل معانى عديدة، فلا يضارر الدائن الكاتب ولا الشهيد، ولا يضارِرْ المدين الكاتب ولا الشهيد، ولا يضار الكاتب أو الشهيد الدائن أو المدين، فليكتب هذا بالعدل، وليشهد هذا بالحق، ولا يضار الكاتب بكتابته ولا الشهيد بشهادته, وهذه المعانى مجتمعة لا يمكن أن يحمل دلالاتها كلها أى لفظ آخر لا فى العربية ولا فى غيرها سوى هذا اللفظ الذى عبر به القرآن الكريم فى قوله تعالى : “وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ”.
وهذا وجه من وجوه إعجاز هذا الكتاب العزيز، الذى يهجم عليك الحسن منه دفعة واحدة، فلا تدرى أجاءك الحسن من جهة لفظه أم من جهة معناه، إذ لا تكاد الألفاظ تصل إلى الآذان حتى تكون المعانى قد وصلت إلى القلوب.







الرابط الأساسي


مقالات د. محمد مختار جمعة :

الأمل وقصص الأنبياء
صكوك الأضاحى
حجية السنة النبوية
قيمة الإيثار
علامات الإيمان
الفقراء أمانة
الوفاء وشيم الكرام
حقيقة الشكر وتمامه
آداب موائد الإفطار
رمضان شهر الانتصارات
إعلانات الزكاة
التوبة
الخشية
حلاوة الإيمان
حديث القرآن عن الرسول
الطاعة فى شعبان
البر والوفاء
الإسلام وذوو الاحتياجات الخاصة
الفطنة والكياسة
إرادة التغيير
حتى لا نخدع مرتين
المال والإعلام
السكان والتنمية
الدولة لا الفوضى
ما عند الله خير
الوقاية من التطرف
الإسلام وحقوق الإنسان
فى ذكرى مولد الهادى البشير
المنافقون الجدد
ثنائيات لا تناقض فيها
الفتاوى المضللة فى زواج القاصرات
روح أكتوبر
التدريب التراكمى
التسمم الفكرى
بناء الأفراد والدول
يا أمة الأخلاق عودى
فرية يجب أن تدحض (2)
فرية يجب أن تدحض
ضرورات الإصلاح
مصاصو الدماء «2»
مصاصو الدماء «1»
دين جديد لا نعلمه
الزكاة وحركة الحياة
على باب الكريم

الاكثر قراءة

السيسى يتسلم رسالة من نظيره الغينى.. ويؤكد: التعاون مع إفريقيا أولوية متقدمة فى السياسة المصرية
«السياحيون «على صفيح ساخن
واحة الإبداع.. «عُصفورتى الثكلى»
قرض من جهة أجنبية يشعل الفتنة بنقابة المحامين
كاريكاتير
إحنا الأغلى
كوميديا الواقع الافتراضى!

Facebook twitter rss