>



صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

26 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

المقالات

مجلس النواب وهوس الدراما التليفزيونية

20 مايو 2017

بقلم : د.حسام عطا




مع اقتراب شهر رمضان المعظم أبلغنا الله إياه، وأعاده علينا بالخير والبركات، يبدأ الحديث المكرر عن الدراما التليفزيونية، إلا أن هذا العام قد بدأ بداية استباقية قبل بدء عرض الدراما الرمضانية، ومناقشاتها والهجوم عليها جاءت هذا العام بعيدا عن قاضيها الطبيعى ألا وهو النقاد، أو الجمهور، ذلك أن مجلس النواب قد تقدم بطلب إحاطة للسيد رئيس الوزراء شريف إسماعيل عن كثافة الدراما التليفزيونية المنتظر عرضها فى رمضان المقبل والتى وصل عددها إلى أربعة وأربعين مسلسلا دراميا متنوعا.
 رأى أربعة وثلاثين نائبا من نواب الشعب أن تلك المسلسلات تسيء إلى القيم والأخلاق وتؤدى إلى إفساد السلوك العام حيث يقوم الناشئة والبسطاء بتقمص أدوار البلطجية والسيدات سيئات السمعة وتجار المخدرات، وما إلى ذلك من نماذج تقدمها الدراما التليفزيونية، وقد أثار هذا الطلب فى مجلس النواب ولدى الرأى العام للفنانين خاصة صناع الدراما التليفزيونية لغطا وتوترا وخوفا، بل واستنكارا فى معظم ردود الأفعال التى مع شديد الأسف عبرت عن فهم خاطئ لكتاب وصناع الدراما التليفزيونية الجدد الذين أدانوا أنفسهم عندما بدأوا الدفاع عما يقدمونه بطريقة خاطئة أثبتت من الوهلة الأولى أنهم يحتاجون لتعلم أسس وأهداف ومعنى الدراما بشكل أساسي، حيث تركز الدفاع على أنهم يعكسون الواقع وينقلون ما فى الشارع المصرى من بلطجة وعنف ومخدرات وما إلى ذلك، وطلبوا من النواب معالجة ما يحدث فى الواقع قبل محاكمة الصورة الدرامية.
 وحقيقة الأمر أن الدراما هى محاكاة للواقع وليس نقلا حرفيا له، لأن المحاكاة الدرامية بالضرورة كى تصبح فنية وتخرج من مجرد تسجيل الواقع والحياة إلى الجانب الفنى يجب أن تعيد ترتيب أجزاء الواقع وتصيغه صياغة فنية يدخل فيها الإبداع وشرطه الأساسى الخيال القادر على إعادة صياغة الواقع وليس نقله كما هو، ولذلك فالجرائم التى تقدم كتقارير مصورة عبر البرامج التليفزيونية بالتأكيد هى التى تنقل عالم الجريمة كما هو، أما الدراما التى تأخذ تلك الجريمة وتستلهمها فهى يجب كى تصبح دراما أن تعيد صياغتها مرة أخرى بطريقة فنية تحقق التحليل النفسى للشخصية والظروف الموضوعية، وتقدم ذلك بطريقة تشرح الخللين النفسى والاجتماعى اللذين أديا لحدوث تلك الجريمة، ويدفعان المشاهد عبر الصياغة الدرامية كى يتقمص الشخصية المجرمة بطريقة سلبية تجعله يخاف أن يكون فى مصير ذلك البطل المجرم، ويخشى ويأسف على ما وصل إليه من خروج عن الإنسانية والقانون.
 أما عندما يتحول القاتل وتاجر السلاح غير الشرعى والخارج عن القانون إلى نموذج يقلد الشباب ملابسه وطريقته فى تصفيف شعره ولحيته، ويصبح أسطورة اجتماعية يسعى الشباب لإعادة إنتاجه فى الواقع كى يملك تلك الغرفة التى امتلكها البلطجى الخيالى والتى ظهرت لنا ممتلئة بملايين من الأوراق النقدية الخضراء، فبلا شك لا بد أن نناقش الظاهرة، وبلا شك هى ظاهرة يدخل فيها الجمهور كطرف، لأن الجمهور هنا عندما يعيد إنتاج النموذج المجرم بطريقة توحى بالتقدير الاجتماعى وبتقليد السلوك الدرامى بتلك الكثافة التى حدثت عقب شهر رمضان الماضى فهى ظاهرة تحتاج للدراسة من المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية، وتحتاج لدراسة نفسية، وتحتاج لإعادة النظر فى أساليب التربية والتعليم، وتحتاج لإعادة النظر فى خلق نماذج القدوة والاحتذاء التى ينتجها المجتمع، وتحتاج للإجابة عن سؤال: هل يوجد لدينا كل هذا العنف المختزن؟ الذى نتفاعل معه تفاعلا إيجابيا لدرجة إعادة إنتاج مشاهد القتل والبلطجة ذات الطابع العشوائي، والتى أعاد الشارع المصرى إنتاج بعضها بطريقة أثارت الدهشة والرعب.
ولذلك فعلى صناع الدراما التليفزيونية أن يعودوا لدراسة الدراما وأن يتوقفوا عن الدفاع الخاطئ لأن الدراما ليست مرآة المجتمع العاكسة، هذا تصور خاطئ، فالدراما تعيد إنتاج الواقع بطريقة فنية تستهدف تحسينه للأفضل وطرح القيم الإيجابية لدى ذلك المجتمع، أما حرية الإبداع التى استخدمت كوسيلة للدفاع فحقيقة الأمر أن الإبداع لا يكون ابداعا إلا إذا اصطدم بالمجتمع وبالثابت وقدم الجديد وناقش المسكوت عنه.
وبلا شك لا يوجد صاحب قلم ضد حرية الإبداع، عندما يكون الإبداع إبداعا، أما عندما يكون الإبداع مرآة عاكسة للواقع بطريقة تقود الواقع للأسوأ فهو ليس بالإبداع وليس له الحق فى حرية الإيذاء والإفساد والإزعاج والقبح، أما عن إعادة تنظيم السوق فى الدراما التليفزيونية لتقدم عددا من الدرامات موزعة على أشهر العام كله فهذا أمل ممكن التحقيق، لأنه من الجنون حقا أن يحرص مشاهد على متابعة أربع وأربعين حلقة درامية يوميا وإلا سيصاب بالهذيان، كما أن ذلك التنافس الحاد يستحق التساؤل عن هذه الأموال ومصدرها، وماذا تربح، وهل تحقق الإعلانات بالفعل ذلك العائد الخيالى الذى قدره البعض بالمليارات؟ أم أن سوق الدراما التليفزيونية أضحى يدار بأموال ربما يكون بعضها أسود اللون يخرج بعد ذلك ناصع البياض؟ هذا على سبيل السؤال وليس الاتهام.
بلا شك لم يخطئ النواب، بلا شك أن المجلس الأعلى للإعلام إذا راقب الأمر بجدية، فسوف نكون قد قدمنا للدراما وللإبداع وللمجتمع المصرى خدمة جليلة.

 







الرابط الأساسي


مقالات د.حسام عطا :

وحدة النقد والإبداع
وحدة النقد والإبداع
المسرح فى عيون منظمة التضامن «الأفرو آسيوية»
التنوع الثقافى فى الفنون وتحديات المستقبل
طزاجة الإبداع.. والإطار المرجعى للجمهور
عدم قبول النقد
جرائم المسرح المصرى
المدرسة المبهجة وغناء الطفل العجوز
الفرص الضائعة والممكنة
رءوف توفيق.. طاقة نور وجمال
فى اليوم العالمى للمرأة.. أريد حلاً جديداً
جوائز الأوسكار 2017
التعاون «المصرى الأردنى» الثقافى
سهير المرشدى.. إيزيس المسرح المصرى
مسارح منسية.. حريق ليسيه الحرية
الفنون والنقود.. فى ذكرى ثورة يناير السادسة
الفنون الإسلامية.. حيوية الأثر والحضارة
نهاد صليحة وداعا.. سيدة النقد والخيال
الرئيس واليسار الثقافى
إنى أعترف.. يا بدرخـــان

الاكثر قراءة

إزالة 55 تعدٍ على أراضى الجيزة وتسكين مضارى عقار القاهرة
الأبعاد التشكيلية والقيم الروحانية فى «تأثير المذاهب على العمارة الإسلامية»
رسائل «مدبولى» لرؤساء الهيئات البرلمانية
15 رسالة من الرئيس للعالم
متى تورق شجيراتى
هؤلاء خذلوا «المو»
الرئيس الأمريكى: مقابلة الرئيس المصرى عظيمة.. والسيسى يرد: شرف لى لقاء ترامب

Facebook twitter rss