>



صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

19 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

المقالات

الأحد الحزين فى مطعم فاشبيبا - وانتحار بالجمل

11 مايو 2017

بقلم : باسم توفيق




العام الماضى كان عليّ أن أقضى ليلتين فى بودابست كنت مرتبطا هناك ببعض الأعمال، أستطيع أن أنجز العمل فى ساعتين صباحاً ومن ثم أستطيع أن أهيم على وجهى باقى اليوم... فى اليوم الأول وكان بالمصادفة يوم الأحد.. ذهبت لزيارة كونسيرفاتوار بودابيست.. حيث كان من المستحيل أن أكون فى بودابيست ولا أزور متحف فرانز ليست هذا المقدس لدى بكل المقاييس أسطورة البيانو فى تاريخ الموسيقى.. كانت بودابيست تفوح بعطر غريب قديم حريف وقوى ولاذع للقلب والذكرى... هنا بدايات الفن المبهجة ونهايات الفنانين المحزنة والتراجيدية.. هنا عاشت إيلونا فيهير بين الكامان والقهر قبل هجرتها.. ودخل ليست الدير كمدا على حب ضائع.. لكن ليست كل الحكايات التراجيدية تخص العظماء فهناك فى بودابيست كان العظماء الذين عاشوا فى عباءة الصعاليك وماتوا قهرا تحت ضغوط الفقر وحب الوطن واختبارات السماء لهم بوعد لم يتم... غادرت متحف فرانز ليست وسرت أضرب على غير هدى.. أتلمس مصائب هذه المدينة التى عانت تحت ضغوط حروب كثيرة فأكل فنانوها الهموم والاضطهاد..والحقيقة أن الوصف الذى يقول بأن الحرب العالمية الثانية مزقت الأجساد وأكلت الأرواح مقولة تعبر عن حقيقة هذه الحرب الضروس.. وهذا ما تنطق به حوائط بودابست.. فكأن هذه الحوائط تحولت لجيتو عملاق حبس تلك الذكريات الأليمة للحرب العالمية فأبت ان تغادر هذا المكان.. مشيت كثيرا حتى ضاعت منى الطرق.. وشعرت بأقدامى تؤلمنى والجوع يلح على.. أوقفت فتاة وسألتها عن مطعم قريب سألتنى بأدب أى نوع من الطعام تحب.. فقلت لها مكان لا يقدم لحم البورك لأنه يصيبنى بتعب فى أمعائي.. فأجابتنى إذن هناك مطعم شهير يقدم معظم أكلاته على طريقة الكوشر اليهودى - فهمت طبعا فاليهود لا يأكلون لحم الخنزير - وأشارت بيدها فإذا فى زاوية الشارع مطعم يبدو أنه عريق وفخم... ومكتوب عليه - Kispipa - وتنطق بالمجرية فشبيبا وحينما قرأتها بالإنجليزية كاسبيبا ضحكت وقالت لى - فشبيبا فانديجلو - أى مطعم فشبيبا بالمجرية... شكرتها كثيرا وهرولت ناحية المطعم حتى أنقع وجع أقدامى فى مشروب رطب وأُسكت عواء أمعائى بلقمة سائغة.. من أول وهلة دخلت فيها المطعم شعرت بفخامة غير عادية..أو قل عراقة غير عادية.. جاء النادل رجل كبير ربما فى الخمسين حيانى بالفرنسية وأجلسنى على طاولة منمقة وعليها فاز كبير يحوى ورودا رائعة.. طلبت حساء الطماطم قبل أن يقول لى حتى أنه موجود وقلت له سوف أطلب الطعام بعد الحساء.. حملقت فى الحوائط هناك زخم من صور تعود لأوائل القرن العشرين وأخبار فى إطار بلغات عدة.. وصورة كبيرة من بين الحائط لرجل يرتدى زى من ثلاثينيات القرن الماضى.. دققت فيه.. أشعر أننى أعرفه.. أقسم أننى أعرفه..لكننى لا أتذكر أين رأيته.. كاد يطير عقلى نسيت الجوع والحساء وكل شيء ناديت على النادل وأشرت للصورة قائلا: من هذا السيد؟ ضحك النادل وقال لى.. إذن لماذ أتيت إلى فشبيبا؟ هذا الرجل سبب شهرة المطعم فأعدت السؤال لكن من هو؟؟ فأجابنى أنه السيد المأسوف عليه راجو شاراس... وبالطبع لم أعرف الاسم لأننى لم أسمع اسمه قبل ذلك بالهنجارية.. وأردف.. هو موسيقى كبير مؤلف أغنية الأحد الكئيب - وقالها بالانجليزية gloomy Sunday ثم أتبعها بالمجرية - سامروفا فوشارنو- وهى لغة الأغنية الأصلية.. عرفت صاحب الصورة على الفور فلقد سمعت الأغنية بالانجليزية والمجرية أيضا بصوته وأصوات كثيرين وهى أغنية كتبها شاعر مجرى أسمه لازلو جافور وهى تراجيدية حزينة كتبها بعد موت حبيبته ولحنها راجو شاراس وبعد أن سجلت الأغنية عام 1933 اجتاحت من جرائها المجر موجة من الانتحار لأن الأغنية عن حبيب ماتت حبيبته يتمنى الموت ويدعوه فى عجل وكلماتها مؤثرة للغاية وزاد هذا التأثير اللحن الذى وضعه راجو شاراس وانتشرت بسببه موضة الانتحار لدرجة أن الحكومة المجرية منعت الأغنية من الصالات وصادرت الأسطوانات التى تحوى تسجيل الأغنية.. لكن راجو شاراس ظل يغنيها.. ترجمت الأغنية للأرمينية وغناها لايدو راشيان المغنى الأرمنى الشعبى وانتحر بعد تسجيلها بأربعة أسابيع ثم أعاد غنائها إلينو راخو الرومانى فى الأربعينيات وانتحر بجرعة كوكاين زائدة بعد ان غناها بشهرين..ثم الروسى إيجور لاتاف والذى قضى نحبة بعد أن سجلها بصوته سقط من القطار بعد أن غناها بخمس أيام فقط.. وأعتقد الجميع أن هذه لعنة الأغنية.. التى انتقلت إلى أمريكا وترجمت للانجليزية حيث غنتها بيلى هوليداى وهى صاحبة أشهر تسجيل بالإنجليزية والبعض يقول أن اللعنة لم تصب بيلى هوليداى لأنها غيرت كثيرا فى كلمات الأغنية.. الحقيقة أن الحياة التراجيدية للموسيقى الكبير والفنان العظيم الذى لم يذكره أحد راجو شاراس كانت أكثر مأساوية من الأغنية ذاتها فلقد كان روديلف سبيتزر - وهذا هو الاسم الحقيقى لراجو شاراس - من أسرة يهودية فقيرة ولد وعاش فقيرا وأرسل إلى معسكر النازى ليعمل حتى الموت وهناك ظهرت موهبته فأرسل للسيرك حيث كان لاعب ترابيز ماهر أيضا وهناك فكر أن يمارس مهارته الأصلية فقد كان موسيقيا ولاعب بيانو بارع فلحن وغنى أغانى عديدة من بينها الأحد الكئيب وبعد أن زالت النازية كانت شهرته قد طارت لأمريكا وكانت الاستوديوهات تنتظره هناك لتتلقفه هو وإبداعاته لكنه كان يعشق بودابست عشقا جما كانت وطنه الحبيب وكل ما يملك فأبى أن يذهب لأمريكا ليتمتع بالشهرة والمال مثل الكثيرين من الموسيقيين اليهود مثل ليو فولد وثيودور باكيل.. وظل يعيش فى فقر فى بودابيست حياة الصعاليك وكان يلعب على البيانو ويغنى فى مطعم فيشبيبا - الذى أتناول فيه طعامى - وكان المطعم فى هذا الوقت يجتذب الطبقة العاملة من اليهود وغيرهم - وهذا سبب انه يقدم الكوشر فى جانب من أطباقه - وكان يضم المطعم الحياة البوهمية من راقصات وفتيات ليل وغيرهم من هذه الطبقة.. أنضم راجو شاراس للحركة الشيوعية المجرية وألف لهم نشيدهم الخاص - اويرا لانسيدون - لنعبر جسر السلسلة مرة أخرى.. أصيب شاراس بالأكتئاب من جراء الفقر وملاحقة البوليس له لأنهم اضطهدو الشيوعين وطاردوهم خارج بودابست.. فكانت نهايته كما تنبأ حيث ألقى بنفسه من النافذة لكنه لم يمت وأخذوه للمشفى فقرر أن ينهى حياته بنفسه كما كان ينوى فغافلهم وشنق نفسه بسلك فى السقف فى 11 يناير 1968.. ورحل راجو شاراس بعد ان ذاق كل ويلات الحياة من فقر واضطهاد وتسخير واعتقال وامتهان وتجاهل الأحبة وحينما نعاه أحد الكتاب المجريين قال (لم يكن من المنطقى أن يموت فى فراشة بعد أن انتحر بسبب أغنيته المئات.. أشتهى شاراس الموت كما نشتهى نحن قطعة الحلوى فى عيد الميلاد) وظل مطعم فشبيبا شاهد على ميلاد الأحد الكئيب وكل أعمال وموسيقى راجو شاراس وشاهد إيضا على هذه الحقبة من الأسى والحياة البوهيمية فى بودابيست . كلمات أغنية الأحد الحزين (مترجمة عن الأنجليزية) فى أحد حزين وبين مئات الورود كنت فى أنتظارك يا عزيزتي.. مع صلاة فى الكنيسة هذا الحلم يطاردنى فى كل صباحات الآحاد تعود عربة أحزانى بدونك ومن يومها.. كل الآحاد دائما حزينة شرابى هو الدموع.. وخبزى هو الأحزان الأحد الحزين أيها الأحد الحزين.. يا عزيزى.. أرجوك تعالى سريعاً سوف يكون كل شىء مُعَدّ.. حتى الكاهن والتابوت.. ومنصة التابوت.. وكفن من قماش وحتى ذلك الحين سوف تكون الورود فى انتظارك... الورود والكفن.. وتحت شجرة مزهرة سوف تكون نهاية الرحلة.. عيناى سوف تكون مفتوحة... حتى أراك مرة أخرى لا تخافى من عيناى المفتوحتان.. فلسوف أكون أباركك.. حتى فى موتى.. الأحد الأخير.







الرابط الأساسي


مقالات باسم توفيق :

أرشيل جوركى.. فنان منطقة وسطى بين التجريد والواقعية
«الفونسو موكا» فنان الميتافيزيقا الأنثوية ومخترع تقنية «المرأة الحلم»
«طراوى» بين الانطباعية الحديثة ومدرسة مونتمارتر
عثمان حمدى بيه رائد من رواد الفن التشكيلى فى القرن التاسع عشر
أوفربيك والبحث فى القيم الجمالية المقدسة
«شاردان» صاحب الحدث الواقعى وصانع الفرح
أجنات بدناريك فنان أوروبا الشرقية الأشهر
رودلف هاسنر رائد الواقعية الفانتازية فى الفن النمساوى الحديث
«جان دوبفيت» فارس البساطة فى الفن الحديث
الموسيقى النابوليتانية وحضور عالمى
محمد البكار.. الأوبرالى الذى خرج من السينما لمسارح برودواي
الصربى ستيفان الكسيتش قفزة مجهولة نحو الحداثة
جاكوب شكاندر رجل الدراما التشكيلية البوهيمى
الفن بين الألم والعنف واللامعقول
البرخت درر.. «دافنشى» ألمانيا
الرقص الحديث ومضمون الحركة والسكون
مقاييس الجمال بين أنطونيوس وأبوللو
ايريش هايكيل..الفن الألمانى ومعادلة الحداثة والبساطة
متحف التصميم فى هيلسنكى بين عوالم التصميم وفلسفة الجذب
فرانز سيدلاتشيك أهم آباء السريالية
«بيكاسو» وعوالم الفحولة واستغلال الجسد كمحرقة للإبداع
«فاوستو زونارو» الفنان المستشرق
متحف برادو يعرض مكتبة «إلجريكو»
«كيث هارينج» من محطات مترو الأنفاق إلى «ألبرتينا»
فرانكو كوسا.. والكاريكاتير السياسى فى الفترة العثمانية
«إيجور ميتراج» أشهر نحاتى القرن العشرين وصاحب أسلوب «الكلوسوسيزم»
لايوس تيهانى.. المجرى الذى هذب المدارس الطليعية
«ثيودراكيس».. الوجه المشرق للقرن العشرين
الحضارة القبطية وإهمال متعمد من الجانبين المسيحى والإسلامى
بيير لوتى أيقونة أدب الاستشراق
«برنينى» يشعل معركة الستر والعرى بين الجندى وخالد منتصر
«جون زوفانى» فنان المحارف ورائد فن التربونات
أساطير الوعى والتلقى وأزمة التوحد الثقافى
عامان على رحيل «إيهاب حسن» أيقونة ما بعد الحداثة
جوستاف كليمت ما بين الحداثة والتجريد والبرى رافايللى
لويس عوض.. تجاهل متعمد وتراث عبقرى غير مـُستثمر
جان دوبفيت مؤسس الأرت مينتال وفارس البساطة فى الفن الحديث
«الثارثويلا».. بين الأوبرا والغناء الشعبى والكوميديا
عباس كياروستامى.. الرومانسية والضجر الزوجى فى نسخة طبق الأصل
‎مصور شواطئ الحلم «بول سيناك».. الأخ الأكبر للفن التشكيلى الفرنسى
أرداش كاكافيان.. فنان باريسى برؤى عراقية
«أجانزيو بوتيتا».. وجه صقلية المشرق شاعر الخبز والكلمة والكفاح
جياكوميتى.. غياب الكتلة وحضور الجسد
لورى ليبتون.. سريالية على طريقتها الخاصة
توم كوبلير النحت بين الشخصيات الخيالية ودراما الوجوه
الفلسفة العربية بين «رهاب التجريد» وقصور التجديد
ملائكة القزوينى بين التراث الإسلامى والأيقونة الأصفهانية
كمال الدين بهزاد وذروة التصوير فى الفن الإسلامى
أغنية قبل النوم ومشروع جديد فى جامعة روما
كوكوشكا روح فان جوخ وقهر الحرب والعنصرية
السينما الإيطالية تدخل طور التعافى
الثقافة العبرانية بين العداء والاستحياء
الاستاند أب كوميدى والإضحاك الرخيص
«العديد» بين النصوص القديمة والأدب الشعبى
حسام وبالداتشينى وصراع على صناعة الجمال
زيارة المشايخ وحواديت ماسبيرو
من لم يكن بيكاسو فلا يدخل علينا!
الانهيار الثقافى بين «العصر العبيط» و«أنت برنس المرحلة»
فالتر بنجامين بين الحداثة فى النقد وعبقرية التنوع
إميل سيوران بين الأبجراما النثرية والتفكيك لإسقاط النص
اكتمال المقاييس الكلاسيكية بين أنطونيوس وأبوللو بمتحف اللوفر

الاكثر قراءة

البنت المنياوية والسحجة والتحطيب لتنشيط السياحة بالمنيا
الزوجة: «عملّى البحر طحينة وطلع نصاب ومتجوز مرتين.. قبل العرس سرق العفش وهرب»
تعديلات جديدة بقانون الثروة المعدنية لجذب الاستثمارات الأجنبية
حتى جرائم الإرهاب لن تقوى عليها
حكم متقاعد يقوم بتعيين الحكام بالوديات!
«المجلس القومى للسكان» يحمل عبء القضية السكانية وإنقاذ الدولة المصرية
الجيش والشرطة يهنئان الرئيس بذكرى المولد النبوى

Facebook twitter rss